يمر ​حزب الله​ حالياً بواحدة من أعقد المراحل في تاريخه، بعد قرار الحكومة وضع خطة لحصر السلاح بيد ​الجيش اللبناني​. القرار الذي قد يبدو للبعض خطوة متأخرة على طريق السيادة، يمثّل في العمق تحدياً وجودياً للحزب، ويفتح الباب أمام سلسلة من السيناريوهات التي تحمل في طيّاتها مخاطر جمّة ليس فقط على الحزب، بل على الكيان اللبناني برمّته، وقد يسهّل تفهم الخيارات الصعبة امام مسؤولي الحزب للوصول الى القرار النهائي، ولغة التصعيد التي يعتمدونها حالياً.

في حال قرر حزب الله رفض تسليم سلاحه، فإنه سيضع نفسه وجهاً لوجه أمام الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وعلى رأسها الجيش. هذا الخيار ينطوي على مخاطر كبيرة، أولها احتمال اندلاع مواجهة مباشرة بين الحزب والجيش، الأمر الذي قد يتحول سريعاً إلى نزاع داخلي مسلح تتورط فيه مكوّنات لبنانية متعددة. من شأن هذا السيناريو أن يكرر مشاهد الحرب اللبنانية بصيغة أكثر تعقيداً، مع وجود فائض من السلاح والخطابات المذهبية، وتداخل إقليمي لا يمكن تجاهله. كما أن التصادم مع الجيش، الذي يُنظر إليه كرمز للوحدة الوطنية، قد يفقد الحزب ما تبقى له من شرعية وطنية خارج بيئته الشيعية، ويزيد من عزلة لبنان عربياً ودولياً. ولكن الحزب والجيش يؤكدان استحالة الوصول الى هذا السيناريو، اي الصدام العسكري بينهما.

أما في حال اختار الحزب تسليم سلاحه، سواء جزئياً أو كلياً، فإنه يدخل في مغامرة لا تقل خطورة. فالسلاح لم يكن مجرّد وسيلة للدفاع، بل ركيزة أساسية لبناء نفوذه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، خصوصاً في الشارع الشيعي. التخلّي عنه قد يفتح الباب أمام صعود قوى شيعيّة بديلة كانت مهمّشة سابقاً، لكنها قد تجد في هذا التحول فرصة لإعادة التوازن داخل الطائفة، وربما لإعادة صياغة ​التمثيل السياسي​ للطائفة بأكملها. كما قد يتراجع حضور الحزب في الحياة السياسية اللبنانية، ويجبَر على القبول بقواعد اللعبة التقليدية، التي لم يكن يوماً لاعباً عادياً ضمنها.

هذا التحوّل قد يُنظر إليه كفرصة لبناء دولة لبنانية حديثة ذات سيادة كاملة على أراضيها. لكن هذا السيناريو أيضاً ليس خالياً من التحديات. فالدولة، كما هي حالياً، لا تملك مؤسسات قوية قادرة على ملء الفراغ الذي قد يخلّفه الحزب في مناطق نفوذه، خصوصاً في الجنوب والبقاع والضاحية. وإذا لم يرافق نزع السلاح مشروع وطني شامل يعيد بناء الاقتصاد والخدمات ويؤسس لعدالة اجتماعية، فإن التخلي عن السلاح قد يُنظر إليه في تلك المناطق كنوع من التخلّي عن الطائفة، ما قد يولّد مشاعر تهميش ويدفع نحو نشوء قوى شيعيّة جديدة قد لا تكون أقل تشدداً أو استقطاباً. من هنا، يمكن فهم ما قاله المبعوث الاميركي توماس براك لجهة وجوب افهام المكوّن الشيعي، وخصوصاً المؤيد لحزب الله، ان البديل سيتوافر اقتصادياً ومالياً من خلال جملة مشاريع ومساعدات لن تتأخر في الوصول، ويرسم افقاً تنموياً واستثمارياً بارزا في كل المناطق اللبنانية وبالتحديد في الجنوب.

وسط هذه الخيارات الصعبة، يبرز بُعد ثالث لا يقل أهمية وهي ​إسرائيل​، فبغض النظر عن السيناريو الذي سيتحقق، يبدو أنها ستكون الرابح الأكبر. ففي حال اندلاع حرب داخلية لبنانية، ستجد تل أبيب في انقسام لبنان وتفكك مؤسساته الأمنية فرصة ذهبية لاستكمال تهميشه، دون أن تخسر جندياً واحداً. أما إذا تم نزع سلاح حزب الله، فستعتبر أنها انتصرت في حربها الطويلة ضد "التهديد الوجودي" على حدودها، ما يعزز مكانتها الاستراتيجية في المنطقة، خصوصاً في ظل تحولات إقليمية تعيد رسم خارطة القوى والنفوذ في الشرق الأوسط.

باختصار، حزب الله اليوم أمام مفترق طرق لا يُحسد عليه. فالبقاء على السلاح يعني خطر التصادم الداخلي وخسارة القبول الشعبي، بينما التخلي عنه قد يضعف الحزب من الداخل ويعيد تشكيل المشهد الشيعي في لبنان. وفي الحالتين، تبدو إسرائيل في موقع المتفرج الرابح، تنتظر لحظة الانهيار أو الاستسلام، لترسّخ معادلة جديدة في الإقليم.