لم يكن قرار تمديد ولاية قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) حدثًا عابرًا، وهو الذي جاء بعد "مخاض طويل"، صوّبت خلاله إسرائيل جام غضبها على القوة الدولية التي "فشلت في مهمّتها" بحسب سفير تل أبيب لدى الأمم المتحدة داني دانون، الذي نقلت عنه صحف إسرائيلية قوله إنّه "حان الوقت لحل اليونيفيل"، ولا سيما أنّها "لم تمنع تنامي قوة حزب الله"، كما كان يفترض بها أساسًا، طبعًا وفق المفهوم الإسرائيلي.
مع ذلك فإنّ التمديد لليونيفيل لا يُعَدّ "انتصارًا للبنان"، أقلّه بالمعنى الكامل، خصوصًا أنّ المعطيات تقاطعت على أنّ هذا التمديد سيكون الأخير، وعلى القوة الدولية أن تنسحب من جنوب لبنان بنهايته، في رسالة ضمنية واحدة، قوامها أنّ المجتمع الدولي يضع الجنوب اللبناني في مواجهة "تحدّي" لا يبدو سهلاً، يكمن في استحقاق سحب سلاح "حزب الله"، تمهيدًا لانتشار الجيش اللبناني على كامل الحدود، وبالتالي استلامه النقاط التي تتمركز فيها اليونيفيل.
وإذا كانت صيغة التمديد لقوات الطوارئ الدولية انطوت على "تراجع أميركي" في مكانٍ ما، بعدما كانت واشنطن متناغمة مع تل أبيب في رفض التمديد لها، وإن اختلفت الأسباب والاعتبارات، فإنّ الاهتمام الدولي انصبّ في الساعات الماضية على الديناميكية الأميركية-الفرنسية التي أفرزت هذا التوافق، وإن لم تتبلور حتى الآن كتفاهم مكتمل، وبقيت محصورة بدور "إدارة الأزمة"، وسط توزيع "منسّق" للأدوار بين باريس وواشنطن.
ولعل توزيع الأدوار هو الذي يدفع كثيرين للحديث عن أنّ لبنان يجد نفسه مرّة أخرى واقعًا بين العصا الأميركية والجزرة الفرنسية، فباريس تلوّح بجزرة إعادة الإعمار وتنظيم مؤتمرين لدعم لبنان والجيش، فيما تبدو واشنطن أكثر ميلاً لاستخدام العصا: شرط مسبق بنزع سلاح حزب الله قبل أي انسحابٍ إسرائيلي، وهو ما يفسّر الحديث عن عودة المفاوضات إلى نقطة الصفر، بعد زيارة الموفدين الأميركيين توم باراك ومورغان أورتاغوس الأخيرة. فهل من سبيل للتقدّم؟.
من خلال مراجعة النقاشات داخل مجلس الأمن، يتبيّن أنّ إدراج توصيف "التمديد الأخير" لم يكن تفصيلًا تقنيًا. فالمجتمع الدولي أراد تحويله إلى إطار زمني ضاغط، أقرب إلى عدٍّ تنازلي يدفع الأطراف المعنية إلى خيارات حاسمة. فإمّا تسوية سياسية–أمنية متكاملة تُعيد تثبيت القرار 1701 وتفتح الباب أمام تعزيز سلطة الدولة على الحدود، وإمّا انكشاف تدريجي للساحة إذا وصلت المهلة إلى نهايتها من دون بلورة بديل.
بهذا المعنى، يعكس هذا العدّ التنازلي قناعة دولية بأنّ الوضع الحالي غير قابل للاستمرار. فاليونيفيل، بتركيبتها وصلاحياتها، لم تنجح في تحقيق الأهداف المرسومة لها منذ عام 2006، أقلّه وفق المفهوم الأميركي والإسرائيلي الذي كان ينتظر منها أن تمنع تنامي قوة "حزب الله"، وهو ما لم يحصل. ومع كل عام يمرّ، يزداد الضغط لإعادة النظر بدورها أو إنهاء مهمتها نهائيًا، وهو ما عبّرت عنه إسرائيل علنًا في مداولاتها.
لكن، رغم الموقف الأميركي الإسرائيلي، صدر القرار كما كان يريد لبنان، لتبرز في خلفيته الديناميكية الثنائية بين باريس وواشنطن. ففرنسا دفعت باتجاه تمديد طويل الأمد يوفّر حدًّا أدنى من الاستقرار، ويمنحها مساحة للتحرّك على خطّ مؤتمرات إعادة الإعمار ودعم الجيش اللبناني. وعلى العكس من ذلك، كانت واشنطن أكثر ميلًا لتقييد التمديد وربطه بشروط صارمة، قبل أن تقبل بصيغة وسطية تحت عنوان "التمديد الأخير".
قد لا تعكس هذه الصيغة تفاهمًا شاملاً بقدر ما تشير إلى إدارة أزمة. فباريس تمسك بملفّ الدعم الاقتصادي والعسكري وتقدّم نفسها كراعٍ للمؤسسات اللبنانية، فيما تتولّى واشنطن ملفّ السلاح باعتباره أولوية قصوى. ومع أنّ هذا التوزيع للأدوار يبدو متكاملًا في الظاهر، إلا أنّه يخفي تباينًا جوهريًا في الرؤى: فرنسا ترى أنّ الإصلاح والدعم يمكن أن يفتحا الباب أمام معالجة تدريجية، بينما تضع الولايات المتحدة شرط نزع السلاح في مقدّمة أي مسار تفاوضي.
في هذا السياق، قد يكون من المفيد العودة زيارة توم باراك ومورغان أورتاغوس إلى بيروت هذا الأسبوع، نظرًا لما اكتسبته من أهميّة خاصة، وربما استثنائية، بعدما وُصِفت بـ"المفصلية"، وإن بدت نتيجتها المباشرة سلبيّة. فالموفدان حملا رسائل مباشرة بأنّ واشنطن لم تعد متمسّكة بمبدأ "الخطوات المتزامنة"، بل تريد الانطلاق من قاعدة "نزع السلاح أولًا"، على أن يُترك موضوع الانسحاب الإسرائيلي والضمانات الأمنية لمرحلة لاحقة.
وليس خافيًا على أحد أنّ هذا الطرح أعاد المفاوضات عمليًا إلى المربّع الأوّل. فالمسار الذي كان يُبنى تدريجيًا على مقايضة: انسحاب إسرائيلي منظّم مقابل تدابير لبنانية لضبط السلاح، وهو ما كان "حزب الله" يتحفّظ عليه أساسًا بغياب أيّ ضمانات، سقط أمام المطلب الأميركي الجديد، وهو ما يعني أنّ المبادرة التي حاول رئيس الجمهورية جوزاف عون تسويقها، والتي تقوم على تبادل متدرّج للخطوات، فقدت الكثير من مضمونها.
وقد برز الانعكاس المباشر لهذا المشهد برز في الداخل اللبناني، إذ إنّ القوى الرسمية رحّبت بالتمديد باعتباره عامل استقرار، بينما قرأه "الثنائي الشيعي" على أنّه بداية مرحلة ضغوط جديدة تستهدف سلاح الحزب ودوره في معادلة الردع. وفي هذا السياق، لم يكن الإعلان عن تحرّكات احتجاجية ثم التراجع عنها مجرد تفصيل، بل رسالة بأنّ الخيارات مفتوحة إذا ما تحوّل التمديد إلى منصّة لفرض وقائع على حسابه.
في المقابل، ترى قوى سياسية أخرى أنّ التمديد يقدّم فرصة للبنان الرسمي لإثبات التزامه بالقرارات الدولية وتعزيز موقع الجيش في الجنوب، شرط أن يُترجم ذلك بدعم دولي ملموس. وهنا يبرز الانقسام التقليدي: بين مقاربة تعتبر أنّ الضغوط الدولية تستهدف المقاومة، وأخرى ترى فيها فرصة لإعادة تثبيت الدولة، خصوصًا أنّ ما كان سائدًا في مرحلة ما قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة، لم يعد سائدًا اليوم.
يبقى الجيش اللبناني العنصر الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فالجميع يُجمع على أهميته كضامن للاستقرار، لكن تحويله إلى أداة لتنفيذ الشروط الدولية من دون دعم كافٍ يضعه في موقع صعب، خصوصًا بعدما كلّفته الحكومة في وقت سابق بإعداد خطة سحب السلاح التي يفترض أن تُبحَث الأسبوع المقبل. وفي حين يتحدث المجتمع الدولي عن مؤتمرات لدعم الجيش، يبقى الثابت أنّ التمويل غالبًا ما يبقى دون المستوى المطلوب، أو يأتي مشروطًا بطريقة تحدّ من فاعليته.
لذلك، يشكّل تحصين الجيش بثلاثة عناصر أساسية شرطًا لنجاح أي مسار مقبل: تمويل مستدام لا يخضع للتجاذبات، خطط انتشار واقعية لا استعراضية، وخطوط حمراء تمنع زجّه في صراعات داخلية.
في المحصّلة، لا يمكن اختزال التمديد الأخير لليونيفيل بكونه قرارًا إداريًا أو روتينيًا. إنّه عدٌّ تنازلي حقيقي فرضه المجتمع الدولي، يضع لبنان أمام اختبار معقّد: إمّا استثمار المهلة للتوصّل إلى تسوية شاملة تعيد رسم قواعد اللعبة في الجنوب، أو مواجهة فراغ خطير مع نهاية ولاية اليونيفيل.
وبين العصا الأميركية والجزرة الفرنسية، يجد لبنان نفسه في موقع شديد الحساسية، حيث تقلّصت هوامش المناورة الداخلية، وباتت الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد وجهة الجنوب اللبناني ومستقبل القرار 1701.






















































