كثيرة هي أيقونات والدة الإله في الكنيسة ومتنوِّعة منذ انطلاقة المسيحيَّة، إن كجداريَّات، أو كفسيفساء، أو تصوير على الخشب. وكنَّا قد فنَّدناها في مقالات سابقة بين الَّتي تجلس على العرش وفي حضنها الربُّ يسوع المسيح، والَّتي هي فاتحة ذراعيها وفي وسطها الربُّ، والَّتي تحمل الربَّ يسوع على يدها وتشير إليه باليد الأخرى، وبين الَّتي تعانق الربَّ في وضعيَّات مختلفة، وفي جميعها يسوع يبارك، ولكنَّنا لم نشاهد في أيٍّ منها والدة الإله على رأسها تاج.
في الحقيقة، النمط الأرثوذكسيُّ لا يضع على رأس والدة الإله تاجًا، ليس - لا سمح الله - كعدم تكريم لها، ولكن للتركيز والتأكيد على أنَّ ملك الملوك هو ربُّ الأرباب يسوع المسيح. هذا لأنَّ الأيقونة غير منفصلة عن العقيدة الَّتي تضع الربَّ المحور الأساسيَّ والمقدِّس، وتدعو المؤمن إلى ألَّا يغفل عن هذا الأمر، منعًا لأيِّ اختلاط أو تشويش. مع التذكير أنَّ التراتيل الأرثوذكسيَّة تناشد والدة الإله على أنَّها أكرم من الشيروبيم وأرفع مجدًا بغير قياس من السيرافيم، وتتضرَّع لها وتبتهل لكونها أمَّ الحياة.
والدة الإله في الأيقونة هي ملتحفة بالمجد الإلهيِّ لأنَّها تألَّهت، وهذا يعبَّر عنه بلون الرداء الخارجي الذي ترتديه (maphorion من الفعل اليونانيِّ يحمل – يرتدي) الَّذي يغطِّي الرأس وينسدل حتَّى الكتفين والجسم.
اللون الخمريُّ للرداء أصبح حديثًا شائعًا، وقديمًا كان اللون الأزرق الملكيُّ الَّذي يجمع بين البهاء والسموِّ الروحيِّ، كفسيفساء كاتدرائيَّة آيا صوفيا (الحكمة الإلهيَّة) في القسطنطينيَّة (ق 9). ولا ننسَ أنَّه كان يوجد صعوبة في الحصول على اللون الخمريِّ. بالإضافة إلى هذين اللونين يوجد اللون الذهبيُّ على ثيابها، تيمُّنًا بالآية: «جُعِلَت الملكة عن يمينكَ بذهَبِ أُوفير» (مزمور 45: 9). إنَّه الذهب النقيُّ جدًّا، الخالص من الشوائب، رمز النقاوة والمجد.
يوجد في كاتدرائية Sainte-Marie-du-Trastevere في الحنية (abside) فسيفساء بقطع صغيرة تتلألأ أمام ضوء الشموع، وتعود إلى أواخر القرن الثالث عشر، وبخلفيَّة ذهبيَّة ترمز إلى النور والمجد الإلهيَّين وتنسب إلى Pietro Cavallini أحد أشهر الفنَّانين الإيطاليين في ذلك الوقت.
نشاهد في وسط الفسيفساء الربَّ يسوع المسيح جالسًا على العرش يتوِّج والدة الإله الجالسة عن يمينه. حجم والدة الإله أكبر من حجم القدِّيسين الآخرين وأقلُّ من يسوع الَّذي يعلوها. لباسها ملكيٌّ دلالة على مكانتها كملكة السماء، العبارة الَّتي أصبحت شائعة في الغرب. مع أنَّ الملامح في الفسيفساء روميَّة (بيزنطيَّة) وذلك في الملامح واللباس، إلَّا أنَّ تتويج مريم هو نمط غربيٌّ محض.
يحمل يسوع بيده اليسرى كتابًا مفتوحًا مدوَّنًا عليه كتابة لاتينيَّة «VENI ELECTA MEA ET PONAM IN TE THRONVM MEVM» «Viens, mon élue, et je placerai mon trône en toi»، أي: «تعالي يا مختارتي فأجعلَ فيكِ عرشي»، ويدا مريم مرفوعتان في الصلاة والتسبيح. ونجد الكتابة نفسها في الفسيفساء أعلاه.
قد تكون الجملة مستوحاة من ما قاله الرب ليوحنا الإنجيلي: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ" (رؤيا 3: 21).
ووالدة الإله تحمل يافطة مدّون عليها: " LEVA EIVS SVB CAPITE MEO ET DEXTERA ILLIVS AMPLESABITUR ME
"تحت رأسي يده اليسرى، ويده اليمنى ستعانقني". وهي الآية من سفر نشيد الأنشاد (2: 6). (سيكون لدينا شرح مفصّل للفسيفساء في مقال لاحق).
هناك فسيفساء أخرى لتتويج والدة الإله موجودة في الحنية في basilique Sainte-Marie-Majeure, في روما من القرن الثالث عشر، للفنَّان الإيطاليِّ Jacopo Torriti في بدايات الفنِّ Ghotique الغربيِّ الَّذي يحمل في طيَّاته الفنَّ الروميَّ (البيزنطيَّ) بشكل كبير. نشاهد فيها الربَّ يسوع المسيح يضع تاجًا مرصَّعًا على رأس مريم العذراء وهما جالسان على العرش ضمن دائرة. يقف جموع من الملائكة على كلا الجانبين، مع القدِّيسين بطرس وبولس وفرنسيس على يمين المسيح، ويوحنَّا المعمدان ويوحنَّا الإنجيليِّ وأنطونيوس البدوانيِّ على الجهة الأخرى.
وأيضًا يحمل يسوع بيده اليسرى كتابًا مفتوحًا مدوَّنًا الكتابة اللاتينة نفسها التي ذكرت أعلاه في الفسيفساء.
كما يوجد في الأسفل مشاهد إنجيليَّة، أي البشارة والميلاد وسجود المجوس ودخول مريم إلى الهيكل ورقادها، وهي مشاهد توجد فيها والدة الإله.
لباس يسوع ومريم ذهبيٌّ وتحت أقدامهما الشمس والقمر، كأنَّنا نقرأ ما جاء في سفر الرؤيا: «وظهرت آية عظيمة في السماء: امرأة متسربلة بالشمس، والقمرُ تحت رجلَيْها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا» (رؤيا 12: 1).
لهذا نرى الدائرة مليئة بالنجوم الذهبيَّة ذات الرؤوس الثمانية التي ترمز إلى الحياة الأبديَّة، إشارة إلى الملكوت السماويِّ بخلفيَّة زرقاء داكنة. وحول الدائرة الوسطيَّة نبات الأكانتس (Acanthus)، الذي زُخرفت به أعمدة الفن اليوناني القديم، أوراقه الكبيرة خضراء داكنة تميل إلى الأزرق، تتلألأ بنضارةٍ وجمالٍ أخّاذ، رمزٌ للانتصار، وهنا يرمز إلى الحياة الأبديَّة والنموِّ الروحيِّ.
ونشاهد طيورًا وأربعة أنهار - جنَّة عدن - مُفعمة بالحياة بمخلوقات مائيَّة، لترمز إلى الحياة والقيامة، ومريم العذراء كجنَّة عدن الجديدة.
في الخلاصة، نحن نقترب من عيد ميلاد والدة الإله (8 أيلول) على رجاء أن نولد معها من جديد بالروح القدس في المسيح، ونتَّحد به وننشد معها: «تعظِّم نفسي الربَّ، وتبتهج روحي بالله مخلِّصي» (لوقا 1: 47).
إلى الربِّ نطلب.
























































