ثمرة سكنى الروح القدس في الإنسان هي القداسة، والقداسة هي دعوة الربِّ للإنسان ليشاركه ملكوته السماويَّ. وقد دعانا منذ القدم إلى القداسة بقوله لموسى النبيِّ: «كَلِّمْ كلَّ جماعة بني إسرائيل وقُل لهم: تكونون قدِّيسين لأنِّي أنا الربَّ إلهَكم قدُّوسٌ» (لا 19: 2). فقد طلب الربُّ أن يقول ذلك للشعب لأنَّ العبور الحقيقيَّ هو من الأرض إلى السماء، ومن الظلمة الى النور، لبلوغ أورشليم السماويَّة، كما نرتِّل في الليتورجية.
ليست القداسة حكرًا على أحد، فليس من اختيار مسبق عند الربِّ لأحد، بل هي دعوة للجميع أن يتقدَّسوا، فكلُّنا مخلوقون على صورته ومدعوُّون لتحقيق شبهه. طبعًا لا نصبح مثله آلهة في الجوهر بل أناسًا مملوئين نعمة إلهيَّة، هذا إذا جاهدنا بصدق وثبتنا وتبنا وعشنا مسيحيَّتنا قولًا وفعلًا.
نشاهد في أيقونة جميع القدِّيسين (المرفقة)، الَّتي تعود إلى نهاية القرن السابع عشر أو بداية القرن الثامن عشر من مشغل منطقة Epirus في اليونان الَّتي ازدهرت بعد سقوط القسطنطينيَّة، نشاهد صفحة ملكوتيَّة تجمع مسيرة الإنسان من بداية سفر التكوين إلى المجيء الثاني، وتشكِّل بالتالي نافذة مفتوحة على الأبديَّة، تتخطَّى الزمان والمكان، وتذكِّرنا أنَّ موطن الإنسان الأوَّل هو السماء بما تعنيه بالبعد اللاهوتيِّ.
لا تكفي المقالة لشرح تفاصيل الأيقونة وأبعادها، لذا سنتناولها على مقالات متتابعة.
نبدأ من الأعلى إلى الأسفل. في الزاوية العليا اليمنى للأيقونة نشاهد داود الملك حاملًا لفافة مكتوبًا عليها: «اهتفوا أيُّها الصدِّيقون بالربِّ. بالمستقيمين يليق التسبيح» (مزمور 33: 1).
يقابله في الزواية المقابلة سليمان الملك يحمل لفافة مكتوبًا عليها: «أمَّا الصدِّيقون فسيحيون إلى الأبد، وعند الربِّ ثَوابُهم، ولهم عناية من لدن العليِّ» (حكمة 5: 16).

ما سبب وجود هذين الملكين؟
من ألقاب يسوع المسيانيَّة (المتعلِّقة بالمسيح) «ابن داود»، أي من نسل داود بحسب الجسد. واليهود كانوا ينتظرون المسيح الموعود من نسل داود، ولداود أعطي الوعد: «أقيم بعدك نسلَكَ الَّذي يخرج من أحشائك وأثبِّت مملكته... ويأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك. كُرسيُّك يكون ثابتًا إلى الأبد» (2 صموئيل 7: 12–16). هو وعد يتجاوز سليمان ابنه، فهو يتكلَّم عن المسيح. وهذا تمامًا ما قاله الملاك جبرائيل عن يسوع لوالدة الإله في البشارة: «هذا يكون عظيمًا، وابن العليِّ يدعى، ويعطيه الربُّ الإله كرسيَّ داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية» (لوقا 1: 32–33). ولا ننسَ أنَّ النبوءة[1] عن ميلاد المسيح كانت عن بيت لحم مدينة داود.
أمَّا سليمان فهو الَّذي بنى الهيكل الَّذي هو صورة عن الهيكل الحقيقيِّ الإلهيِّ – البشريِّ يسوع المتجسِّد. فعندما طرد يسوع الباعة من الهيكل قال لليهود: «انقُضوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيَّام أقيمه». أمَّا هم فتعجَّبوا كيف يستطيع أن يقيم هيكلًا هكذا سريعًا استغرق بناؤه ستًّا وأربعين سنة! «أمَّا هو فكان يقول عن هيكل جسده»، ولمَّا قام الربُّ من بين الأموات، تذكَّر تلاميذه كلامه وأدركوا ما قصده آنذاك (يوحنَّا 2: 19-22).
هذا أيضًا يأخذنا إلى العهد القديم عندما طلب الربُّ من إرميا أن يبلِّغ اليهود الَّذين كانوا في السبي بعد أن دمَّر البابليُّون هيكل أورشليم: «أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا» (إرميا 31: 33).
إلى هنا تقول لنا الأيقونة إنَّ القدِّيس هو من أصبح هيكلًا للروح القدس بالربِّ يسوع المسيح، وكانت عقيدته مستقيمة، وهذا أصلًا معنى كلمة قدِّيس في أصلها العبريِّ: أي مَن فرز نفسه للربِّ وخصَّص ذاته له، وانفصل عن كلِّ ما لا يليق بالله.
أعطنا يا ربُّ ألَّا يسكن فينا غيرك.
إلى الربِّ نطلب.
[1]. «أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ» (ميخا 5: 2).

















































