لبنان​ صَعبٌ. وَلا تَكرارِيّةَ في هذا الإعتِرافِ، بَل ضَرورِيَّةُ الدُخولِ في صَميمِه الكيانِيِّ.

أن تَكونَ لبنانَ ‒وَهذا لا يُعطى لِكَثيرينَ‒ يَعني أوَّلاً أن تَكونَ مُختاراً لِلإنسانِيَّةِ الأصيلَةِ. والمأساةُ أنَّ مَن يَنسُب لِنَفسِهِ صِفَةَ الُلبنانِيِّ، وَهيَ مِنهُ بَراءُ، يَكذِبُ على نَفسِهِ، وَنَفسُهُ ذاتٌ لا تُريدُ أن تَعرِفَ. هذا الزائِفُ، المُستَخدَمُ، خارِجُ مواكَبَةِ المَسؤولِيَّةِ الكُبرى التي هي ال​تاريخ​ُ، وَنَقيضُها، يَرذُلُهُ لبنانُ.

أن تَكونَ لبنانَ ‒وَهذا يُهَبُ لِقِلَّةٍ‒ يَعني تالياً أن تَكونَ فاعِلاً لا مُنفَعِلاً، فَيصَلاً في الحُكمِ لا مُستَعبَداً لِأحكامِ، نافِذاً في الكَينونَةِ التامَّةِ. في قَلبِ ال​وجود​ِ، لا خارِجَهُ، وَلا حتَّى في حَواشيهِ أو هوامِشِهِ.

أن تكونَ لبنانَ ‒وَهذا حَقُّ الصُعوبَةِ عَلَيكَ‒ يَعني ألَّا تَكونَ مُرتَهَناً لِأبواب عالِيَةٍ، عِصمَتُها في جُبنِها المُغَلَّفِ بِطُغيانِها، وَطُغيانُها في إبادَةِ ما هو نَقيضُها.

تِلكَ الأبوابُ: قِلَّةٌ خارِجَ الوجودِ تَدَّعي لِنَفسِها أُلوهِيَّةَ الوجودِ، فَتَتَجَبَّرُ في إفناءِ إنسانِيَّةِ كُلِّ وجودٍ وَلا مَن يوقِفُها إذ ذَريعَتُها المَظلومِيَّةُ، والمَظلومِيَّةُ شَتاتُ الدَجَلِ وَإفتِراءُ الدَجَّالينَ حينَ الحَقَيقَةُ بُطولَةُ الشُرَفاءِ. وَقِلَّةٌ تَكرارِيَّةُ التَأدلُجِ المَرئِيِّ واللامَرئِيِّ، سَجينَةُ تَراكيبَ نَواميسَ اللاحَقيقَةِ، سِتاراً لِلسَيطَرَةِ، والسَيطَرَةُ تأبُّدُ نِهاياتٍ بِالكامِلِ، حينَ بَطشُ المُراوَغَةِ إستيعابُ الكِيانِيَّاتِ... بِالقُوَّةِ.

القُوَّةُ! أهيَ الظُلمُ أم الظلامِيَّةُ؟ أم كِلاهُما مَعَاً؟

قُوَّةُ لبنانَ أنَّ الوجودَ فيهِ وَمِنهُ وَلَهُ. تَواصُلِيَّةٌ زَمَنِيَّةٌ لِأَجْلِ. مِنَ النورِ وَإلى النورِ وَبِالنورِ. مُذ إبتَدَعَ التَواصُلَ بِهَتفاتِ صَوتِيَّاتٍ مَرموزٍ إلَيها بِرُموزَ تَجريدِيَّةٍ، مُجَرَّدَةٍ إلَّا مِنَ المِعنى الذي هو صَلابَةُ قُوَّتِها.

لا بِالعُنفِ. لا بِالكايوسَ.

بِالمُقابِلِ، وَمُذ إبتَدَعَ الإغريقُ في القَرنِ الثامِنِ قَبلَ الميلادِ "نُشوء الآلِهَةِ" Θεογονία /Theogonía مَعَ هيزيودَἩσίοδος/Hêsíodos ، نَفَحوهُ بِ"الشَهوَةِ المُطلَقَةِ" المُتَسَربِلَةِ بِالظُلُماتِ الرَهيبَةِ، المُرَوِّعَةِ، البَغيضَةِ. بِالمَوتِ، بِلُجَجِ العالَمِ السُفلِيِّΤάρταρος /Tártaros، بِالجَحيمِ. عِندَها، فُصِلَ العالَمُ قِسمَينِ: طُغاةٌ مُتَألِّهونَ، وَأنقِياءُ مُستَعبَدونَ. مُبادونَ. سياساتٌ تَتَنامى عَقائِدَ، تَرحيلُ يَتَنامى إباداتٍ. وعودٌ دينِيَّةٌ تَتَنامى بَرامِجَ سِياسِيَّةً نُموُّها الحُروبُ. أَيُدارُ العالَمُ بِنُبؤاتٍ قَدَرِيَّةٍ تَتَفَصَّلُ لِجُيوشَ؟.

أنقاضُ وعودٍ

لبنانُ الصَعبُ.

لبنانُ بِلا هَوانَ. في الكَرامَةِ التي أرساها تَلاقِياً مِن دونِ مَذَلَّةٍ وَلا إحتِقارَ، أسَّسَ المَلَكوتَ الأبقى على مَرِّ التاريخِ: مَلَكوتَ السَلامِ القائِمِ على عِزَّةِ التَبادُلِ وَرِفعَةِ الإنتِظامِ.

لا الكايوسَ. لا العُنفَ. بَل ال​كوزموس​َ. مَبدَأَ المُعطى في الحَقِّ كَقابِلِيَّةِ تَحقيقٍ وَتَحَقُّقٍ.

لبنانُ البِلا هَوادَةٍ. في الرِفقِ هو. إنَّما في صَلابَةِ الإستِمرارِ وَعَدَمِ التَراجُعِ عَنِ المَوقِفِ. عَنِ الفِعلِ. في قابِلِيَّةِ نِظامِهِ هذا، قُوَّةُ تَحويلِ الكايوسَ الى كوزموسَ. قُوَّةٌ لا رَيبَ فيها.

أهو المُنَظِّمُ الفاعِلُ، فَوقَ أنقاضِ وعودِ نُشوءِ الآلِهَةِ والمُتألِّهينَ؟ إمبراطورِيَّاتُ التَألُّهِ بِآلِهَتِها وَمُتألِّهيها وَجُيوشِها وَهَيمَناتِها وإباداتِها... تَهاويها مُدرَكٌ وَمَحتومٌ. مُدَوَّنٌ بِالدَمِ على بَقايا حِجارَةِ آثارَ.

لبنانُ البِلا هَوادَةٍ. مُكَوِّنٌ. مُنَظِّمٌ. قُلّ: مُنشِىءٌ بِإبتِداعِ التَلاقيَ بَينَ بَشَرٍ في إنسانِيَّاتٍ مِن عَقلٍ. لِعَقلٍ. بِعَقلٍ. بِالكَلِمَةِ-الأَساسِ، تِلكَ التي تُعّلِّلُ نَفسَها بِنَفسِها. الأساسُ-الكَلِمَةُ التي في الأُلوهَةِ وَمِنها. وَفي الإنسانِ وَمِنهُ. لِلأُلوهَةِ وَلِلإنسانِ. ذاكَ مَلَكوتُهُ اللإنقِضاءَ لَهُ.

لبنانُ البِلا هَوادَةٍ. مِعنى المِعنى. المُتَألِّهونَ-المُستَعبِدونَ صانِعو فَواجِعَ. هو خالِقُ وجودٍ-جَوهَرٍ. قُلّ: لبنانُ ضَرورَةُ التَمامِ. ضَرورَةٌ لازِمَةٌ لِوجودِ المُطلَقِ.

أزِلِ المَعقولَ، ماذا يَبقى عِندَ المُستَعبِدينَ-المُتألِّهينَ؟ لا شَيءَ. واللاشَيءُ لا يُمكِنُهُ القَضاءَ على لبنانَ-مُحدِثُ-قابِلِيَّةِ-الزَمَنِ-والإنسانِ-لِلأُلوهَةِ-الحَقِّ!