مع غيوم نيويورك الخريفية، أمطرت الوفود الدولية على الأمم المتحدة بخجل هذا العام. الجمعية هذه السنة ليست كسائر السنوات. عجقةُ موفدين من طراز رؤساء الوزراء ووزراء الخارجية، وغيابٌ ملحوظ لرؤساء إقليميين وقادة انتظرنا قدومهم لنسمع آخر قراراتهم في القضايا المصيرية. كلُّ وفد يتأبّط همًّا ثقيلاً علّه يلقى آذاناً تستمع إليه. حتى الأمين العامّ للأمم المتحدة، المفترض به ان يكون صاحب الكلمة الفصل، يشكو، بدوره، همَّه الى الصحافيين والقادة معلناً أن الأمم المتحدة تواجه تحديات وصعوبات مقلقة؛ وهو يخشى ان يكون مصيرُها مصيرَ عصبة الأمم عام 1946.
استهلت الجمعية العامة البارحة أعمالها بقمّة دعت اليها كل من السعودية وفرنسا للإعتراف بدولة فلسطين. نهار سياسي دولي حافل انتهى باعتراف 154 دولة بالدولة الفلسطينية من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة.
بين غزة والجنوب في لبنان جسرٌ من المآسي لم تستطع حتى اليوم دول العالم من ردع الهجمات الإسرائيلية عليه. حتى ان الاعتراف بدولة فلسطين في الجمعيّة العامة لن يغيّر الواقع؛ فلا توجد حدود واضحة، ولا عاصمة، ولا حكومة موحّدة للفلسطينيين. لكنّ المكسب الوحيد، الذي تحققه الحكومة الفلسطينية من اعتراف المجتمع الدولي به، هو حقها في مطالبة الأمم المتحدة، وتحديداً مجلس الأمن، بوجوب التدخّل لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
فلسطين واوكرانيا أبرز ملفَّين ساخنَين هذا العام. وانضمت اليهما الصراعات الخفية في اوروبا، وجنون زعيم كوريا الشمالية، والحرب الإسرائيلية-الإيرانية التي ما زالت مشتعلة كنارٍ تحت الرماد، وتهديد الرئيس الاميركي دونالد ترامب المستجدّ لفنزويلا...
ترامب سيرحّب بضيوفه قادةِ الدول، ولكن حسب ذوقه. فهو سيلتقي من هم ضمن برنامجه التوسُّعي الاستيطاني والإستراتيجي، وسيقاطع من ليس له مصلحة معهم. وعُرف أنّ من بين لقاءاته لقاء مع الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي سيكون نجم الجمعيّة العامة بعد خصام مع سوريا طال أمده؛ ولقاء مع الرئيس الاوكراني فولوديمير زيلنسكي، ربما لإعطائه نصيحة ليتحاور مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لأنّ الأخير لا ينوي ان ينهي الحرب إلا بعد الحصول على مكاسب ومناطق استراتيجية في اوروبا.
ترامب، قائدُ أوركسترا ملف الشرق الأوسط، دعا كلاًّ من الدول الإقليمية المؤثرة (تركيا، الإمارات، السعودية، الأردن، مصر، قطر، أندونيسيا وباكستان) لمناقشة قضية فلسطين ولإجراء محادثات متعددة الأطراف، في وقت حرم فيه الرئيس الفلسطيني من الوصول الى نيويورك. الواضح من هذا الاجتماع ان الرئيس الأميركي يريد ان ينبّه العرب إلى انه سيدير القضية إن لم يأخذوا موقفاً في القمّة العربية. ولكنّ الرياح العربية أتت بعكس ما اشتهت سفن الرئيس ترامب. فغياب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان يؤكد ان القائدَين لا يريدان مناقشة الأزمة وجهاً لوجه مع الأميركي. والواضح أن الصراع بدأ بالتوسّع لصالح المواجهات القادمة، فأضحى حلم رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو بضمّ الضفة الغربية طريقاً شائكاً أمامه، وسط تغيير ملحوظ في خطاب الرئيس المصري الذي، ولأول مرة، أصبح يقول "العدو الإسرائيلي"، متخطياً بأشواط عملية السلام بين اسرائيل ومصر. كما إن غياب الأمير محمد بن سلمان يؤكد حضور جوابه للإسرائيلي بأن الضفة الغربية هي خط أحمر سعودي؛ معناه ان السعودية ستقفل أجواءها أمام الطيران الإسرائيلي.
في الملف العربي، يبدو ان غياب السيسي وبن سلمان سيكون الأكثر حضوراً في مناقشات الجمعية العامة، لأنهما سيحدّدان مصير الحرب بين إسرائيل وفلسطين، وربما يكونان فريقَين فيها فيما لو اندلعت من جديد. وأكثر من ذلك، إن غيابهما عن دعوة ترامب إلى اجتماع عربي لتقرير مستقبل فلسطين سيعرقل ايضاً طريق التجارة الهندية، التي تنطلق منها الى دولتين عربيّتين هما الإمارات والسعودية، وصولاً الى اسرائيل قبل الانطلاق الى اوروبا. هذه الطريق التي يسعى الى شقّها ترامب لضرب عدوّته اللدود الصين، ستُقطع بيد الغائبَين الحاضرَين: السيسي وبن سلمان.
حتماً، الرئيس الأميركي في ورطة من قراراته. ماذا سيُبلغ نتانياهو الواصل الى البيت الأبيض في 29 الجاري كي يأخذ الضوء الأخضر للاستيلاء على الضفة الغربية؟ ماذا سيقول للدولة العميقة اليهودية التي اعتمدت عليه لتوسيع دولة إسرائيل في الشرق الأوسط وجعلها مركزَ تجارة عالميًّا؟.
وبعيداً عن الجمعية العامة، بدأت الاجتماعات والتحالفات تأخذ مجراها مثل التحالف الإستراتيجي الذي بدأ يلوح في الأفق بين مصر والسعودية وباكستان وتركيا؛ وهذا سيكون مفعوله أقوى من المنبر التقليدي السنوي في الجمعية، حيث تُمرّ الخطابات... والسلام عليكم.