لم تمرّ الذكرى الأولى لاغتيال الأمين العام السابق لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله من دون ضجّة، ربطًا ربما بالتحولات الدراماتيكية التي شهدها لبنان على مرّ العام المنصرم، فإضاءة صخرة الروشة بصورته تحوّلت إلى أزمة سياسية ذات أبعاد رمزية ووجودية، وعزّزت التباعد بين الحزب ورئيس الحكومة نواف سلام، في حين جاءت كلمة الشيخ نعيم قاسم لتكرّس شعار "إنّا على العهد" الذي يتمسّك به الحزب، لتأكيد "الوفاء" للثوابت التي كرّسها زعيمه التاريخيّ.
هكذا، حضرت ذكرى اغتيال السيد نصر الله في خلفية المشهد السياسي بقوة هذا الأسبوع، وهي التي لم تغب عنه أساسًا، باعتبار أنّ تداعياتها لا تزال ماثلة في كلّ التفاصيل، بعدما كانت الشرارة التي فجّرت الحرب على لبنان، فهي لم تقتصر على تغيير المعادلات القائمة، بل بدّلت وجه الساحة اللبنانية بأكملها، وقلّصت نفوذ "حزب الله" إلى حدّه الأدنى، بعدما كان يوصَف في زمن نصر الله بأنه "الآمر الناهي" إلى حدّ بعيد.
إلا أنّ هذه الذكرى، على أهميتها وحساسيّتها، لم تحجب حقيقة أنّ لبنان يعيش على وقع صراع أكبر من حدوده: سلاح الحزب بات في صدارة المشهد السياسي والأمني، من بيروت إلى طهران وتل أبيب، على وقع النقاش المفتوح حول حصر السلاح بيد الدولة، فيما الداخل مأزوم ومعلّق بين احتمالات التفاوض وخطر التصعيد العسكري، خصوصًا أنّ الخروقات الإسرائيلية مستمرّة، رغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، في تشرين الثاني الماضي.
باختصار، الملف الأمني لم يعد تفصيلاً في الحياة السياسية اللبنانية، فمع كلّ قصف إسرائيلي جديد يطال مخازن أسلحة في الجنوب، كما حصل في الأيام الماضية، يتأكد أنّ المسألة تجاوزت النقاشات النظرية أو الحملات الإعلامية، وأنّ الجيش الإسرائيلي يتعامل مع السلاح على أنه تهديد وجودي، ويواصل إرسال رسائل بالنار إلى الحزب وداعميه، ما يطرح أسئلة جدّية حول دلالات هذه الرسائل وحدودها.
في المبدأ، ليس خافيًا على أحد أنّ الضغط لا يأتي من الخارج وحده. ففي الداخل اللبناني، عاد مطلب "حصر السلاح بيد الدولة" إلى الواجهة بقوة، ولو كان ذلك بدفع أميركي، بعدما كان يُعتبر سابقًا من الخطوط الحمراء، كما أنّ النقاش لم يعد محصورًا في أروقة المعارضة، بل صار مادة أساسية في الاجتماعات الحكومية، كما ظهر خلال زيارة علي لاريجاني إلى بيروت، حيث تردّد أنّ المباحثات الرسمية تناولت هذا الملف بشكل مباشر.
بالنسبة إلى "حزب الله"، الذي وافق عبر ممثليه على بيان وزاري ينصّ على حصر السلاح بيد الدولة، فإنّ هذه الطروحات ليست سوى محاولة لانتزاع جوهر دوره المقاوم، وهو ما يفسّر وصف الشيخ نعيم قاسم قرارات الحكومة بـ"الخطيئة التي لن تمر"، وهو الذي سبق أن اتهم الحكومة بالانصياع للإملاءات الأميركية والإسرائيلية، في وقت تُطرَح علامات استفهام بالجملة عن الدور الذي يلعبه المبعوث الأميركي توم براك، خصوصًا بعد تصريحاته الأخيرة.
المؤكد حتى الآن أنّ تصاعد الضغوط، داخليًا وخارجيًا، يجعل الحزب في حالة استنفار سياسي وعسكري، ويدفعه للتشبّث أكثر بخطابه التقليدي، رغم كلّ الخسائر التي مني بها، وهو ما تجلّى بوضوح في كلمة الشيخ قاسم في ذكرى اغتيال السيد نصر الله، حيث كان لافتًا حرصه على تأكيد الالتزام بالثوابت التي كرّسها السيد نصر الله طيلة تولّيه مهام الأمانة العامة، على الرغم من أنّ الحزب يكتفي منذ الحرب بـ"تعداد" الخروقات، من دون الردّ عليها.
في المقلب الآخر، لا تُخفي إسرائيل أنّها ترى في هذه اللحظة فرصة لإعادة رسم المعادلة بالمُطلَق، فالمعادلة بالنسبة إلى تل أبيب واضحة: لا يمكن السماح للحزب بترميم قدراته بعد الخسائر التي تكبّدها في الأشهر الماضية. ولذلك، تواصل إسرائيل استهداف ما تزعم أنه بنية تحتية عسكرية، في رسالة مزدوجة: إلى الداخل الإسرائيلي بأنّ الحكومة تمسك بزمام المبادرة، وإلى الخارج بأنّ الحزب لا يستطيع العودة إلى معادلة الردع السابقة.
في المقابل، تتمسّك إيران بالسلاح باعتباره جزءًا من استراتيجيتها الإقليمية. وفي هذا السياق، كانت الرسائل الإيرانية الأخيرة حاسمة: لا مجال للتفاوض على موقع "حزب الله" العسكري، وأي مسعى دولي لحصر السلاح أو نزعه سيُواجَه بالرفض. بالنسبة إلى طهران، هذا السلاح هو خط دفاع متقدّم يوازن الضغط الإسرائيلي والأميركي، ولا يمكن التفريط به في لحظة احتدام الصراع الإقليمي، خصوصًا مع إعادة فرض العقوبات عليها.
ويقول العارفون إنّ هذا الموقف لا يقتصر على التصريحات، بل يترجم عمليًا عبر تعزيز قنوات الدعم، وإبراز الحضور السياسي عبر زيارات مسؤولين إيرانيين لبيروت، حيث كانت لافتة الزيارة التي قام بها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، وهي الثانية من نوعها في مدّة وجيزة، حتى لو تمّ ربطها بذكرى اغتيال نصر الله، إذ تؤشر إلى أنّ إيران تراقب بدقة مسار النقاشات اللبنانية، ولن تسمح ببلورة قرار يحدّ من دور الحزب بشكل أو آخر.
وسط هذا الاشتباك، يجد لبنان نفسه عالقًا، في ظلّ انقسام عمودي بين القوى السياسية، ومخاوف من أن يفجّر ملف السلاح البلد الواقع أساسًا على كفّ عفريت. من هنا، تبدو الخيارات محدودة: إمّا الدخول في مفاوضات مباشرة، برعاية دولية وإقليمية، تبحث في مستقبل السلاح ودور الحزب، وإمّا الانزلاق إلى مواجهة عسكرية أوسع. لكنّ المشكلة أنّ الطرفين، الحزب وخصومه، يرفعان سقوفًا متناقضة، من دون إبداء أيّ مرونة أو ليونة جدّية.
في النتيجة، مرّ عام على اغتيال السيد حسن نصر الله، لكنّ السؤال لم يعد محصورًا بإرثه أو تأثير غيابه، بل بتوازن القوى الذي يرسم مستقبل لبنان، بدليل أنّ السلاح الذي شكّل لعقود جزءًا من معادلة الردع صار اليوم نقطة اشتباك داخلي وخارجي في آن واحد، فيما إسرائيل تصعّد ضرباتها بلا أيّ رادع. وإذا كان لبنان يتقدّم بخطى ثابتة نحو مفترق مصيري، يبقى السلاح الكلمة المفتاح والعنصر الحاسم في معركة تتجاوز لبنان وتعيد رسم خرائط الإقليم...






















































