لَيسَ سَهلاً أن تَقولَ "نَعَم" عِندَما يَجِبُ، وَ"لا" عِندَما يَجِبُ. تِلكَ الشَجاعَةُ.
تِلكَ القَولَةُ هي خُلاصَةُ الوجودِ اللامُتَناهيَ. وَفي اللامُتَناهيَ، لبنانُ لَيسَ بِوجودٍ طارِىءٍ وَلا عابِرٍ. فَفي كَيفِيَّتِهِ، دَقائِقَ تَكامُلٍ حُلولِيَّتُهُ في التَمامِ، حَدساً وَخَلقاً، يَحسِمُ التاريخَ بِالجُغرافيا. ما سِوى ذَلِكَ، يَبقى التاريخُ مَطِيَّةَ الشَيطانِ، على ما يَذكُرُ فَيلَسوفُ التاريخِ ارنولد توينبي وَقَد أرَّقَتهُ حَيرَةُ ما إذا كانَ التاريخُ هو الذي يَمتَطي ظَهرَ الشَيطانِ أم أنَّ الشَيطانَ هو الذي يَمتَطيَ ظَهرَهُ.
لبنانُ الشَجاعَةِ، حُلولِيَّةُ الجُغرافيا في التاريخِ، وَلِأجلِهِ. والحُلولِيَّةُ في ما هي مِقدارُ الحَياةِ في الجَوهَرِ، لَيسَت بِإنفرادِيَّةِ مَظهَرٍ وَلا بِتَوَّحُدِيَّةِ قِفارٍ. هي لَيسَت بِإستِكانَةِ تَبَجُّحٍ وَلا بِطُمأنينَةِ ذُهولٍ. هي الصَخَبُ في الكَلِمَةِ-الفَصلِ. هي الـ"نَعَمُ" والـ"لا"، حينَ الـ"نَعَمُ" وجوبٌ والـ"لا" واجِبُ الوجوبِ.
والشَجاعَةُ لبنانَ، غَيرِيَّةُ تَنَوُّعٍ يُحتَرَمُ كَ"غَيرَ" في مَوجودٍ هو عَرينٌ يَبدو لِلوَهلَةِ الأولى مَلجَأً لَكِنَّهُ أبعَدَ مِن ذَلِكَ وأكبَرَ. أمامَها، تِلكَ الغَيرِيَّةُ، إكتِناهُ سُنَنٍ وإستِقراءُ غَوامِضَ وَتَثبيتُ أُصولَ.
كَيفَ لا، وَجُغرافيا لبنانُ إستِقلالِيَّةُ النَزعَةٍ أساساً، وَكيانِيَّةُ إستِقلالِ تَكويناً. هي جُغرافِيَّةٌ ثالوثِيَّةٌ مِن ثَلاثِ قِمَمٍ: جَبَلُ لبنانَ (المُبتَدأ)، جَبَلُ الشوفِ (الوَصلُ)، وَجَبَلُ عامِلَ (الخَبَرُ). قِمَمُ النِطاقِ المَشرِقيِّ الصِرفِ هيَ. حُدودُها الشِمالِيَّةُ أنطاكيا وَليدَتُها تَوَغُّلاً الى حِمصَ عاصِمَةُ فينيقيا الداخِلِيَّةِ وَليدَتُها أيضاً، والجَنوبِيَّةُ مِن نَهرِ القَرنِ الجاريَ شَماليِّ طَيرِ شيحا في الجَليلِ وَليدُها الى ما بَعدَ عَكَّا والكَرمِلِ وَهُما مِنها.
كَيفَ لا، وَعِندَ سُفوحِ جَبَلِ لبنانَ غَمرُ سَهلِ البِقاعِ قوتُ الحَياةِ الغالِبَةِ جوعَ الحَياةِ، عَلامَةُ إنتِصارِها على مَقهورِيَّاتِ الإفناءِ، وَعِندَ سُفوحِ جَبَلِ الشوفِ حَرمونَ-حَرَمُ الأُلوهَةِ على عَداواتِ الشَيطانِ المُتَلَبِّسِ طُغيانَ عُنصُرِيَّاتٍ مُبيدَةٍ بِالتَوَحُشِّ، وَعِندَ سُفوحِ جَبَلِ عامِلَ أورشَلايِّيمُ-مَدينَةُ-السَلامِ المَحجوبَةِ قَسراً عَنِ الأُلوهَةِ بِعُصيانِ الَلهَفِ الى الدِماءِ.
كَيفَ لا، وَجُغرافِيَّةُ لبنانَ، دَحرُ الحُرِيَّةِ لِلعِصيانِ، قَولَةُ "نَعَمَ" لِقُدسِ الحَياةِ في الكِبَرِ، وَ"لا" لِمَوتِ الجُبنِ والخُنوعِ والذُلِّ. فَمِن جَبَلِ لبنانَ تَعالى نِداءً التَقديسِ لِوالِدَةِ الإلَهِ: "يا أرزَةَ لبنانَ تَضَرَّعي لِأجلِنا"، وَفي جَبَلِ عامِلَ إعتَلى التُرابُ التَقديسَ إعتِناقَ هَوِيَّةٍ مِن لِمَّا إلَيهِ رَكَنَ أبو ذِرَّ الغَفاريُّ، وَبَيَنَهما جَبَلُ الشوفِ تَعاليَ الحِكمَةَ كوزمولوجِيَّةُ تَمايُزِ دَفقٍ...لِثالوثِيَّةِ عِناقِ بَيروتَ الصَخرَةِ-الواحِدَةِ-الموَحِّدَةِ.
الأصلُ كَياناً وَماهِيَّةً
ذاكَ لبنانُ الأًصلُ، مِن تأصُّلِهِ الجُغرافِيِّ هَديرُ تاريخٍ حُدودُهُ بَينَ التَعانُقِ وَ...التَنازُعِ.
الأَوَّلُ بَراعَةُ تَشَكُّلٍ، والثانيُ تَغَطرُساتُ تَنافُقٍ.
الأَوَّلُ وِجدانٌ مُستَدامٌ، والثانيُ نَزعاتُ عَصَبِيَّاتٍ.
الأَوَّلُ إرتِكازٌ مَرجَعِيٌّ، والثانيُ ضَياعُ ثابِتَةِ الوجودِ.
ذاكَ الأصلُ لبنانَ، كَيانٌ أرسَخُ مِن تَلاعُب أُمَمِ القُوَّةِ بِمَصائِرَ الجُغرافيا بِإسمِ شَيطانِ التاريخِ، وَماهِيَّةٌ أقوى مِن إستِطابَةِ التَفجيرِ الداخِليِّ بِتَقاطُعٍ مَعَ التأجيجِ الخارِجيِّ لِغَرائِزَ مَحوِ خُصوصِيَّاتِ الهَوِيَّةِ الُلبنانِيَّةِ المُحيِّيَةِ بِهَوِيَّاتٍ قاتِلَةٍ.
هوَ لبنانُ، في ما هوَ، مُعطى الوجودِ لِلوجودِ، الجَوهَرُ-الكُلُّ في الكُلِّ. لَيسَ إصطِناعاً مِن دَهاءِ شَيطانِ تاريخٍ، وَلا تَبريراً مِن مُخادَعَةِ جُغرافيا.
هوَ لبنانُ، في ما هوَ، تَدليلُ الصورَةِ الى تَعَقُّلِ المَوجودِ.
هوَ لبنانُ، في ما هوَ، تَجَرُّدُ التَفَرُّدِ-المُعطى لِخَلاصِ التَعَدُّدِ-العَطِيَّةِ.
ألَيسَ لِأجلِ كُلِّ ذَلِكَ، تَحَدَّثَ بَدرُ شاكِرُ السَيَّابُ عَن لبنانَ "ذَلِكَ الفِردَوسُ الذي تَتَنَشَّقُ فيهِ رائِحَة اللهِ"؟
لبنانُ الشَجاعَةُ هَذا، لبنانُ الصَلبُ-المانِعُ أبَداً، مِن الجُغرافيا الى ما بَعدَ بَعدَ التاريخِ، يُكَوِّنُكَ وَ... يَكونُكَ؟.
أنتَ كُنهُ!.




















































