على الرغم من كل الضجة الإعلامية، التي رافقت "إنتخابات" مجلس الشعب في سوريا، إلا أن ذلك لا يلغي أنها تُكرس، بشكل أو بآخر، المسار القائم منذ لحظة تسلم الرئيس الإنتقالي أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) السلطة، بالرغم من كل مساعي "تلميع" صورته من قبل العديد من الجهات، المحلية والخارجية، لناحية ضعف "الشرعية" الداخلية، التي يتم التعويض عنها بالتنازلات، التي تقدم إلى القوى الإقليميّة والدوليّة المؤثرة.
في هذا السياق، بات من الواضح أن الشرع يُصر على نهج "التعيين" لا الإنتخاب، فهو أصلاً لم يُنتخب لموقعه الحالي، بل تم إختياره من قبل الفصائل المسلحة، في حين أن طريقة "إنتخاب" أعضاء مجلس الشعب تبتعد كل البعد عما يمكن تسميته بالإنتخاب. فهو سيعين 70 عضواً من أعضاء المجلس، الذي يتألف من 250 عضواً، أما باقي الأعضاء فقد تم "إنتخابهم" من قبل أعضاء "الهيئة الناخبة"، التي عينتها السلطة الإنتقالية أيضاً، مع العلم أن مناطق "الإدارة الذاتية" والسويداء لم تشارك في هذه العملية.
في هذا الإطار، تشير مصادر متابعة، عبر "النشرة"، إلى أن الأساس، في كل العملية، يكمن بأن الشرع لا يتعامل من منطلق أنه رئيس لسلطة إنتقالية، بل يبحث عن أي خطوة تقود إلى تكريس سلطته مهما كان الثمن، بدليل مسار التنازلات التي يقدمها إلى الجانب الإسرائيلي، بالرغم من أن تل أبيب لا تُعير الأمر، حتى الآن، أي أهمية، بل تستمر في مسارها الخاص، الذي يقوم على تحقيق ما تريده بالقوة.
هنا، تلفت هذه المصادر إلى أن المسار الطبيعي كان من المفترض أن يقوم على رعاية السلطة الإنتقالية مؤتمراً وطنياً جامعاً، يضم مختلف المكونات دون إستثناء، وينتج عنه قبل أي أمر آخر، إعلاناً دستورياً مختلفًا عن ذلك المعلن من قبل الشرع، ثم بعد ذلك يتم الإنتقال إلى عملية إعادة بناء السلطة، وتضيف: "بدل ذلك، ذهبت السلطة الإنتقالية إلى تعميق الشرخ بين المكونات، سواء كان ذلك من خلال المجازر التي إرتكبت في مناطق الساحل والسويداء، أو عبر إستمرار التهديدات التي تطال قوات سوريا الديمقراطية".
على هذا الصعيد، كان لافتاً أن أنصار السلطة الإنتقالية عمدوا إلى الإحتفال بهذا "الإستحقاق" بشكل مبالغ فيه، في حين كانت كل القوى المعارضة تؤكد عدم شرعيته، لا بل ذهبت إلى الإعلان عن أنها لا تعترف بالنتائج التي ستنبثق منه، إلا أن السؤال الأبرز يبقى حول الهدف من المسارعة إلى تشكيل المجلس بهذه الطريقة.
في هذا المجال، ترفض المصادر المتابعة ما يُطرح عن أن هدف السلطة الإنتقالية، من وراء هذه الخطوة، إرسال رسائل إلى الخارج، مفادها أنها تلتزم بالأطر "الديمقراطية"، حيث تشير إلى أن غالبية القوى، الإقليمية والدولية، تدرك جيداً كيفية حصول هذه "الإنتخابات"، وبالتالي، بالنسبة لها، المسألة في مكان آخر مختلف، يتعلق بالصلاحيات الممنوحة إلى المجلس، بموجب الإعلان الدستوري، التي تشمل بشكل رئيسي: اقتراح القوانين وإقرارها، تعديل أو إلغاء التشريعات السابقة، المصادقة على المعاهدات الدولية.
ما يهم، من وجهة نظر هذه المصادر، هو أن السلطة الإنتقالية تريد من هذا المجلس إضفاء "الشرعية" على الخطوات التي قد تذهب إليها، في المرحلة المقبلة، على قاعدة أن هناك مجلساً "منتخباً" أخذ القرارات أو صدق عليها، على عكس ما هو الحال عند إختيار الشرع، حين تم الحديث عن "الشرعية الثورية" لتبرير الشكل الذي تمت فيه العملية، من دون أن يلغي ذلك إستمرار السجالات.
في المحصلة، ترى المصادر نفسها أن موقف مختلف المكونات من هذا الإستحقاق، يؤكد أن "الإنتخابات" ستكون، على الأرجح، عاملاً إضافياً في تكريس الإنقسام الداخلي، على إعتبار أنها ستأخذ منه حجة للتمسك أكثر في وجهة نظرها من السلطة الإنتقالية، في حين أن الأخيرة ستستخدمه، خصوصاً إذا ما إستمر التأييد الخارجي الذي تحظى به، كأداة ضغط إضافية.
























































