رسم موقف رئيس الجمهورية ​جوزاف عون​ من مسألة التفاوض غير المباشر، معادلة دقيقة يؤكد خلالها أن لا تفاوض بلا انسحاب، ولا تسوية مع اسرائيل تحت النار، فإذا كانت الدول الراغبة بجرّ لبنان للتفاوض صادقة بمساعيها عليها الضغط على إسرائيل لكي تنسحب من الأراضي اللبنانية وتوقف عدوانها ومن ثم يبدأ التفاوض، ولكن هل تقبل إسرائيل بهذه الشروط؟ ولمصلحة من يمكن أن تدخل في تفاوضٍ غير مباشر مع دولةٍ تعتبرها ساحة نفوذٍ ل​حزب الله​ ومحور المقاومة؟.

في الظاهر، قد يبدو للبعض أن إسرائيل راغبة في التهدئة على الجبهة الشمالية، لكنها في العمق تسعى إلى اتفاق إذعان، تماماً كما ترغب في سوريا وغزة، فهي تريد أمن الحدود، والمنطقة العازلة، ونزع السلاح، ومنع الإعمار، من دون أن تُضطر إلى الاعتراف بحق لبنان في مياهه أو أرضه أو حتى بوجود مقاومته.

ترى مصادر سياسية مطّلعة أن إسرائيل، بطبيعتها، لا تنسحب إلا عندما تُجبَر، انسحبت من جنوب لبنان عام 2000 تحت ضغط العمليات العسكرية، ومن غزة عام 2005 نتيجة الخسائر والضغوط الداخلية، واليوم، تعتبر أن انسحابها من المناطق اللبنانية المحتلة يعني اعترافاً عملياً بسقوط "يدها العليا" مجاناً، وهو أمر لا تقبل به المؤسسة العسكرية بسهولة، خصوصاً في ظل حكومة يمينية تعيش على تغذية الهواجس الأمنية وتوظيفها سياسياً.

يعتبر البعض أن المرحلة الحالية في المنطقة هي مرحلة تسويات بعد عامين من الحروب، وأن إسرائيل تُريد الوصول إلى اتفاقات أو ترتيبات أمنية، ولكن التجربة في سوريا تؤكد أن تل ابيب لا تُريد التفاوض بل الحصول على التوقيع دون مقابل، فهي ترغب بالبقاء داخل الأراضي السورية، واستثمار الأجواء هناك، ونزع السلاح و"الدولة" السورية من الجنوب، مقابل وقف الضربات والتوسع، وفي لبنان بحال دخلت إسرائيل بمفاوضات فهي ستكون من أجل البقاء ضمن مساحة جغرافية فيه، حفظ الأمن من جهة واحدة، ونزع السلاح، وخلق مساحات عازلة من البشر والحجر، وبالتالي في حال وافقت على وقف العدوان والإنسحاب فلم ستفاوض؟.

ترى المصادر أن اسرائيل قد تفكر بخطوات "تكتيكية" تهدف إلى خفض التوتر من دون أن تبدو كتنازل، كقبولٍ محدود بإعادة الانتشار وذلك مقابل الحصول على مكاسب ما، لكن من المستبعد أن توافق على انسحاب كامل إلا ضمن صفقة أشمل تُرضي الأميركيين وتربط الملف اللبناني بملفات أخرى في المنطقة، من غزة إلى إيران، إذ تشدد المصادر على أن القرار ليس إسرائيلياً صرفاً، فالولايات المتحدة هي التي تضبط الإيقاع، وتحدّد متى وأين يُفتح أو يُغلق باب التفاوض.

انطلاقاً من ذلك تعتبر المصادر أن لبنان من خلال فتح الباب أمام مفاوضات غير مباشرة ومشروطة يحاول امتصاص ​الضغوط الأميركية​ ورمي كرة الرفض في ملعب الإسرائيليين، خصوصاً أن الانسحاب ووقف العدوان وإطلاق الأسرى ليست شروطاً تعجيزية، بل مدخل طبيعي لأي تفاوض متوازن، وهي خطوات واردة ضمن ​اتفاق وقف إطلاق النار​ بين لبنان والعدو في تشرين الثاني من العام الماضي، وما على اسرائيل سوى الإلتزام بما هو متفق عليه مسبقاً، وبرعاية أميركية وفرنسية.