على الرغم من أنّ المعركة العسكرية الإسرائيلية المباشرة على "حزب الله" هي في مرحلة تجميد حاليًّا، فإنّ الأصحّ أنّ الخطّة الاستراتيجية الرامية إلى إنهاء "الحزب" تتواصل بثبات على الصعيدين المحلّي والإقليمي، ولو عبر اللجوء إلى أساليب غير مباشرة وغير تقليدية، من بينها الالتفاف عليه. وهذه التفاصيل:
صحيح أنّ الهجمات العسكرية الإسرائيلية المتكرّرة على "حزب الله" منذ نهاية عام 2023 حتى اليوم أضعفت جناحه العسكري بشكل كبير، لكنّها لم تنجح في إنهائه. لذلك، تكثّف العمل الغربي على مسارات عدّة لتحقيق هذا الهدف الذي يتجاوز في أبعاده مسألة الصراع السياسي اللبناني الداخلي بين مؤيّدي "الحزب" ومعارضيه، ليصل إلى مصالح عربية ودولية عدّة. وبحسب الخطة المرسومة، تتوزّع المهمّات على النحو التالي:
ضغط على لبنان لتثبيت سحب الغطاء الشرعي عن الجناح العسكري للحزب وتقويض نفوذه السياسي داخل الدولة قدر المستطاع. ومن الواضح أنّ قرارات الحكومة اللبنانية السياسية وتدابيرها الميدانية تُمهّد الطريق أمام تطبيق القرار الإقليمي الدولي المتّخذ بشأن إنهاء قدراته العسكرية. لكنّ مرحلة التنفيذ الميداني الفعلي والشامل تحتاج إلى اكتمال عوامل لم تنضج بعد. وفي الانتظار، تتكثّف الإجراءات لقطع عمليات تمويل "الحزب" غير الشرعية، عبر إنهاء ظاهرة تهريب الأموال إلى لبنان من دون المرور بالمصارف اللبنانية والعالمية، ومكافحة تهريب الممنوعات وغسل الأموال (وفقاً للاتّهامات الموجّهة إليه من خارج لبنان)، بغرض إضعاف قدراته المالية. وتوجد خطط مستقبلية يجري العمل على استكمال بنودها تقضي بتقليص عدد النواب الذين سيفوز بهم "حزب الله" والقوى الحليفة له المباشرة في أي انتخابات مقبلة. والضغط الأميركي الممارَس على رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والموجود حالياً في واشنطن، وعلى الحكومة لحسم ملف الحزب الأمني، علنيٌّ وصريح، ولو أنّه مُغلَّف بمظلّة سيادة الدولة اللبنانية وحصرية السلاح.
ضغط على سوريا لضبط حدودها البرية مع كلٍّ من العراق ولبنان، لمنع عمليات تهريب الأسلحة والذخائر التي كانت تجري في السابق عبر مسارات برية تربط طهران ببيروت، وتتضمن ممرات غير شرعية وأنفاق تهريب. ويعمل الجيش السوري في المرحلة الراهنة على تطبيق هذه المهمة عبر التشدد في المراقبة وتعزيز انتشاره العسكري على المناطق الحدودية. وفي حال نجاح ذلك، ستكون النتائج سلبية جداً على "الحزب" الذي تناقص مخزونه من الصواريخ والمسيّرات والذخائر بشكل كبير إثر الغارات الإسرائيلية من جهة، وبفعل ما استوجبته المعارك السابقة من استهلاك من جهة أخرى. ومن شأن قطع خطوط الإمداد العسكرية عبر البر السوري أن يضع "الحزب" في موقف حرج جداً، إذ لن يبقى أمامه للحصول على الأسلحة والذخائر سوى بعض عمليات التهريب البحري عبر زوارق صغيرة، كما يحصل لصالح حركة "حماس" في غزة. وليس سرًّا أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يضغط بقوة على الرئيس السوري أحمد الشرع لجعله ينخرط عسكريًا ضد "الحزب"، وهو أمر لا يزال مرفوضًا من جانب القيادة السورية ومن لبنان. ويجري التداول خلف الكواليس بأفكار عدة لجعل سوريا أكثر تأثيراً في الساحة اللبنانية، منها إشراك وحدات من الجيش السوري ضمن قوات دولية وعربية لمساعدة الحكومة اللبنانية مستقبلاً على بسط سلطتها وضبط السلاح غير الشرعي.
ضغط على العراق للخروج من تحت العباءة الإيرانية وإنهاء ظاهرة الفصائل المسلحة الموالية لطهران. وتضغط إدارة الرئيس الأميركي بقوة لتقويض "محور المقاومة" العسكري داخل العراق، ولقطع الطريق على الربط اللوجستي من إيران إلى لبنان عبر المرور بالعراق وسوريا. وقد تعهّد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بإتمام خطة حصر السلاح بيد الدولة بحلول 30 أيلول 2026، بالتزامن مع الجدول الزمني لإنهاء مهمة التحالف الدولي والانسحاب من كردستان العراق. وبهدف إغراء رئيس الوزراء العراقي وتحفيزه، وُقِّعت أخيرًا من البيت الأبيض مباشرة صفقات تجارية ضخمة تبلغ قيمتها نحو 60 مليار دولار مع كبرى الشركات الأميركية. وعلى صعيد موازٍ، يجري العمل على تسريع ربط شبكة الكهرباء العراقية بدول مجلس التعاون الخليجي عبر الكويت، لقطع الاعتماد التاريخي على الغاز الإيراني، فضلاً عن تأمين مسارات نفطية بديلة عن مضيق هرمز، أبرزها خط "كركوك-بانياس" عبر سوريا وخط "البصرة - العقبة" نحو الأردن، بهدف تصدير المشتقات النفطية العراقية دون المرور بهرمز.
ضغط على دول الخليج لعدم إرسال أي مساعدة مالية إلى لبنان في المرحلة الراهنة، وعدم تقديم أي أموال لإعادة الإعمار، قبل إنجاز السلطة في بيروت مهمةَ حصر السلاح بيد الدولة ووقف كل المظاهر المسلحة التي من شأنها تقويض أمن لبنان وجعله عرضة للدخول في حروب مدمّرة جديدة بناء على توجيهات إقليمية ومصالح إيرانية.
في الختام، لا بدّ من التذكير بأنّ إيران كانت في السنوات الماضية تتباهى بامتداد نفوذها في المنطقة ليشمل العراق وسوريا ولبنان وصنعاء، عبر الأحزاب العراقية الموالية لطهران ونظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد و"حزب الله" اللبناني وحركة "أنصار الله" اليمنية، وكانت بعض التقارير تُضيف حركة "حماس" إلى هذا المحور. لكنّ المشهد اليوم بالغ التحوّل؛ فسوريا خرجت كليًّا من المعادلة، وسائر الأذرع تعاني إضعافًا عميقًا، في حين تتواصل عمليات تدمير القدرات العسكرية الإيرانية. لذلك تتقدّم خطة الالتفاف على "حزب الله" بخطى ثابتة، لأنّ المعركة ليست عسكرية فحسب، بل هي سياسية ولوجستية واقتصادية ومالية في آنٍ واحد.




















































