منذ اللحظة الأولى لإعلان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، كان واضحًا أنّ ترجمته اللبنانية لن تكون فوريّة، وأنّ ما بدأته إسرائيل قبل نحو عام، حين شرّعت لنفسها ما أسمته بـ"حرية الحركة" ردًا على ما تعتبره "تهديدًا"، سيستمرّ بعد الاتفاق الجديد، حتى إنّ البعض ذهب أبعد من ذلك، ليرجّح أن تذهب إلى تصعيدٍ أكبر، بل إلى جولة جديدة من الحرب التي يقول مسؤولون إسرائيليون إنّها توقفت مؤقتًا، لكنّها لم تنتهِ بعد.
هكذا، استمرّت الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار على امتداد الأسبوع، بل إنّ وتيرتها ارتفعت بالتوازي مع قمة شرم الشيخ، التي سُمّيت "قمة السلام"، والتي كان يفترض أن تعمّم مناخًا من الاستقرار، ولو نسبيًا، على كامل المنطقة، بدءًا من غزة، وصولاً إلى لبنان، الذي ورد للمفارقة في كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حين ألمح إلى أنّ الحل قد اكتمل فيه أيضًا، مستندًا ربما إلى الوساطة التي يقودها تحت عنوان سحب سلاح "حزب الله".
لكنّ الأمر لم يقتصر على استمرار الخروقات، بل إنها بلغت "ذروة جديدة" في اليومين الماضيين، مع تسجيل عشرات الغارات العنيفة التي استهدفت مناطق جنوبية عدّة، ليست حدودية بالمطلق، من الزرارية وأنصار إلى بِنعفول والنبطية، لتعيد التوتر إلى الميدان الذي لم يهدأ فعليًا منذ أشهر، وإن غطّته في الأسابيع الماضية مظلة تفاهمات غير معلنة رعتها أطراف دولية بعد اتفاق التهدئة في غزة.
ويبدو هذا التصعيد، الذي جاء بعد أيام قليلة على اللقاءات الدولية والإقليمية الهادفة إلى تثبيت وقف النار في غزة وتعميم مناخ الاستقرار، وكأنه رسالة مزدوجة: من إسرائيل إلى واشنطن والعواصم العربية بأنّ يدها لا تزال العليا ميدانيًا، ومن تل أبيب إلى الداخل اللبناني بأنّ ما بعد شرم الشيخ ليس مرحلة هدوء بالضرورة، وإن لم تكن بالضرورة مرحلة حرب بأتمّ معنى الكلمة، فكيف تُقرَأ "رسائل النار" المستجدّة، وهل تقترب جولة الحرب الثانية؟!.
حتى الآن تبدو المؤشرات متناقضة إلى حدّ بعيد، فعلى الصعيد الميداني، يمكن القول إنّ الجنوب اللبناني شهد هذا الأسبوع موجة قصف قد تكون الأعنف منذ أشهر، ولو أنّ وتيرتها لم تكن الأعلى منذ إبرام اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أنّها كانت "نوعية"، بدليل أنّ الطائرات الإسرائيلية نفذت أكثر من 20 غارة خلال دقائق معدودة، مساء الخميس مثلاً، استهدفت مواقع زعم الاحتلال كعادته أنها تُستخدَم من جانب "حزب الله" لأغراض عسكرية، فيما أكدت مصادر لبنانية أنّها بمعظمها مدنية، شملت ورشًا صناعية ومزارع ومنشآت حيوية.
ويرى العارفون أنّ هذا التصعيد لا يمكن فصله عن السياق السياسي المحيط به، فإسرائيل التي سارت باتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، على مضض وفق انطباع سائد لدى كثيرين، تسعى من خلال استعراض القوة في لبنان إلى القول إنها ما زالت تمسك بزمام المبادرة الأمنية في المنطقة، وأنّ أي تهدئة في غزة لا تعني بالضرورة تهدئة على مختلف الجبهات، علمًا أنّ إسرائيل تصرّ على تحقيق أهدافها قبل طيّ صفحة الحرب، ومن بينها نزع سلاح "حزب الله"، وهي مهمّة تلوّح بالدخول على خطّها إذا ما شعرت بتقاعس الحكومة اللبنانية.
يرى مراقبون أن هذا النمط من الغارات يدخل ضمن سياسة "الرسائل بالنار" التي تعتمدها تل أبيب في كل مرحلة انتقالية، لتثبيت خطوط حمراء أو فرض شروط تفاوضية غير مباشرة، علمًا أنّ التصعيد الإسرائيلي جاء متزامنًا للمفارقة مع اجتماع جديد للجنة "الميكانيزم" في الناقورة، وهو الاجتماع الذي كان يُفترض أن يكرّس مسار ضبط الخروقات، إلا أنه انتهى بلا نتيجة تُذكر، ما عزّز الانطباع بأنّ آلية المتابعة باتت شكلية، وأنّ إسرائيل باتت تتصرّف خارج أي التزام فعلي بروح القرار 1701.
لكن، إذا كانت المؤشّرات الميدانية تولّد انطباعًا بأنّ يد إسرائيل على الزناد، وبالتالي أنّ الجبهة قد تُفتَح من جديد عاجلاً أم آجلاً، لاستكمال أهداف الحرب التي شُنّت قبل عام، فإنّ المؤشرات السياسية تعطي انطباعًا مناقضًا، وفق ما يقول المراقبون، فالتصعيد الإسرائيلي يأتي في ظلّ أجواء من "الارتياح" تسود المنطقة ككلّ، في أعقاب قمة شرم الشيخ، التي هدفت إلى تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتهيئة الأرضية لحوار إقليمي أوسع، وقد أظهرت القمة توافقًا أميركيًا عربيًا على "تجميد الجبهات" المحيطة بالنزاع الفلسطيني، بما فيها لبنان وسوريا.
لذلك، بدت الغارات وكأنها خرقٌ لهذا المناخ أكثر منها ردّ فعلٍ أمنيٍّ موضعي، وهو ما يضعه المراقبون في خانة "الرسائل" التي تريد إسرائيل توجيهها، لا أكثر ولا أقلّ، خصوصًا أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب مصرّة على "تعميم التهدئة" وتخفيف التوتر في المنطقة، وإن كانت تمنح إسرائيل هامشًا من الحركة لتوجيه ضربات محسوبة، بشرط ألا تتدحرج الأمور إلى مواجهة شاملة، إلا أنّ عينها في هذه المرحلة على طيّ صفحة الحرب، بل توسيع الاتفاقات الإبراهيمية التي كان ترامب عرّابها في ولايته الأولى، ويريد استكمالها في هذه الولاية.
ولعلّ هذه القراءة تفسّر في مكانٍ ما "الارتياح" الذي يعبّر عنه رئيس الجمهورية جوزاف عون، والذي يبدو مطمئنًا بحسب المعطيات المتوافرة إلى أنّ إسرائيل لا تنوي الذهاب نحو حربٍ واسعة خلافًا لكلّ التكهّنات، مؤكّدًا أنّ الدولة متمسكة بتطبيق القرار 1701 وبالحفاظ على الاستقرار. وتُشير دوائر رئاسية إلى أنّ هذا الاطمئنان يستند إلى معطيات دبلوماسية وصلت من عواصم غربية مفادها أنّ أيّ حرب جديدة في لبنان "غير مطروحة حاليًا"، لأنّها ستقوّض الجهود الدولية لإرساء الهدوء بعد اتفاق غزة.
في المحصّلة، تكشف التطورات الأخيرة أنّ الجنوب اللبناني عاد مجددًا إلى موقع "الاختبار" بين السلام والحرب. فبينما يحاول المجتمع الدولي تكريس مناخ تهدئة بعد حرب غزة، تواصل إسرائيل استخدام الجنوب منصةً لتوجيه رسائلها الإقليمية، فيما يتعامل لبنان الرسمي مع التصعيد ببرودة محسوبة، تراهن على أن تكون الغارات الأخيرة "ضغطًا سياسيًا موقتًا"، وبالتالي فهي لا تمهّد لعملٍ عسكري شامل.
وبين رسائل النار الإسرائيلية ورسائل الاطمئنان اللبنانية، المستندة ربما إلى مناخ إقليمي ودولي مريح، يبدو أنّ الجنوب ما زال يعيش على إيقاع "هدوءٍ قلق"، فيما تترقب العواصم المعنية ما إذا كانت قمة شرم الشيخ ستكون بداية استقرارٍ طويل الأمد، أم هدنة عابرة تسبق جولة جديدة من الصراع على حدودٍ لم تهدأ منذ عقود...






















































