مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى ل​اتفاق وقف إطلاق النار​ الذي التزم به لبنان أحاديًا، وخرقته إسرائيل مئات المرّات، يبدو أنّ "​حزب الله​" يبدّل تكتيكاته ويرفع سقفه السياسي. وقد ظهر ذلك بوضوح في خطاب أمينه العام الشيخ ​نعيم قاسم​ الأخير، الذي هاجم فيه الإدارة الأميركية بشكل مباشر، معتبرًا تدخّلها في المنطقة "سيئًا"، ومكرّرًا التمسّك بالسلاح، بوصفه "جزءًا من قوة لبنان"، وبالتالي لا يُقارَب بمنطق الإملاءات.

وجاء موقف الشيخ قاسم بعد ساعات على تصريحات وُصفت بالخطيرة للمبعوث الأميركي توم براك، اعتبر كثيرون أنّها "أفرغت" الوساطة التي يقودها باسم إدارة الرئيس دونالد ترامب، من مضمونها، وقد بدت أقرب إلى "الإنذار"، أو ربما "التهديد" بحرب إسرائيلية وشيكة ضدّ لبنان، في حال لم يمضِ سريعًا بإجراءات نزع سلاح "حزب الله"، وذلك من خلال خطوات ملموسة، بعيدًا عن لغة البيانات والخطط التي تصطدم بـ"فيتو" الحزب.

بالتوازي، تتواصل الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية من دون رادع فعلي، حتى إنّ الضغوط الأميركية على لبنان لنزع السلاح لا توازيها ضغوط مقابلة ولو بالحدّ الأدنى، أو من باب رفع العتب، على إسرائيل لوقف اعتداءاتها، على الرغم من أنّ تل أبيب هي التي أفشلت اتفاق وقف إطلاق النار حين لم تلتزم به، بذريعة "حرية الحركة"، من دون أن تحرّك الدول "الضامنة" وعلى رأسها ​الولايات المتحدة​ ساكنًا.

هكذا، تشهد الجبهة اللبنانية "سخونة" قد لا تكون مسبوقة، بهذا الحجم، منذ اتفاق وقف إطلاق النار، حتى إنّ مؤشّراتها تذكّر إلى حدّ بعيد بالمراحل التي سبقت تحوّل "جبهة الإسناد" المحدودة، إلى حرب واسعة ضدّ لبنان قبل عامين، مؤشّرات عزّزت من خطورتها المسيّرات الإسرائيلية التي عادت لتحلّق فوق العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية ليلاً ونهارًا، فهل يعني التصعيد المتبادل بين "حزب الله" وإسرائيل وواشنطن أنّ لحظة الانفجار الكبير قد اقتربت؟.

ضمن هذا السياق، يمكن قراءة خطاب الشيخ قاسم الأخير كمحاولة لإعادة تأطير النقاش، إن صحّ التعبير. فحين يُقال إنّ السلاح "جزء من قوة لبنان"، وإنّ محاولة انتزاعه بالإكراه السياسي والدبلوماسي هي امتدادٌ للحرب بوسائل أخرى، فهذا يضع أي نقاش داخلي حول "حصرية السلاح" تحت سقف واضح: لا بحث بالسلاح خارج إطار ردع إسرائيل ووقف اعتداءاتها وفرض التزاماتٍ متبادلة على خطوط الحدود والانسحاب والأمن.

بمعنى آخر، فإنّ الرسالة الأساسية من الخطاب هي أنّ أي حديث عن السلاح يجب أن يُربط بوقف الاعتداءات، وضمانات حدودية، وآليات تنفيذ تتيح للدولة بسط سلطتها فعليًا، وإلا فإنّ أي صيغة داخلية ستولد ضعيفة، لأنّ جذور المشكلة تبقى معلّقة على الحسابات الإسرائيلية. وهنا، يوجّه "حزب الله" رسائل إلى الخارج والداخل في آن واحد، تتقاطع على رفض الانصياع لإملاءات بلا مقابل، وعلى أن أيّ خطوة تتطلب ضمانات أمنية لا تزال غير متوافرة.

ويبدو لافتًا البعد السياسي الداخلي الذي ظهر في خطاب قاسم، كما لم يظهر في أيّ من كلماته السابقة، وذلك من خلال الهجوم المباشر على عدد من المسؤولين، بينهم وزير العدل وحاكم مصرف لبنان، وكأنه أراد بذلك تثبيت معادلة ترفض الخضوع للإملاءات الغربية وتحديدًا الأميركية، بل تحذر من هذا النهج، الذي ازداد الاعتماد عليه في مرحلة ما بعد الحرب، التي تراجع فيها نفوذ الحزب عمّا كان عليه في مراحل تاريخية سابقة.

ولا يخفى بعد ثالث "تكتيكي" للخطاب، فرفعُ السقف الآن يسبق أيّ احتمالاتٍ لفرضِ ترتيباتٍ عاجلة أو "خطة باء" أميركية ـ إسرائيلية. وبالتالي، فإنّ الظهور بموقع من يرفض مسبقًا أي قفز فوق شرط وقف الاعتداءات، يمنح الحزب هامش مناورة أعلى إذا تدهورت الأوضاع ميدانيًا؛ كما أنه يهيّئ بيئته السياسية لسيناريوهات عدّة، قد تتّسع فيها رقعة القتال، ولو أنّ الحزب لا يبدو جاهزًا حتى الآن للخوض في أيّ قتال، ويتمسّك بخطاب الركون للدولة.

عمومًا، لا يمكن فهم الدلالات الكاملة لكلام قاسم، من دون ربطها بالتصريحات الأميركية الأخيرة، وما حملته من تهديدات صريحة بتحرّك إسرائيلي وشيكة، واكبتها تل أبيب ليس بسلسلة من الخروقات في مناطق جنوبية عدّة، ولكن أيضًا بمسيّراتها التي عادت إلى العاصمة بعد انقطاع، توازيًا مع مناورات واسعة، قيل إنها تحاكي سيناريو الحرب، وكلّها مؤشرات فُهِمت في أكثر من مكان، على أنّها إشارة إلى ارتفاع احتمالات التصعيد إلى أعلى مستوى.

وتتفاوت القراءات الداخلية للتصعيد المستجدّ، وإن تقاطعت على توصيف "خطورة" المرحلة، فالوساطة الأميركية التي كان الكثيرون يبنون عليها فقدت "فاعليتها" إلى حدّ بعيد، حتى إنّ المبعوث الأميركي نفسه أقرّ بأنّ اتفاق وقف إطلاق النار "فشل"، ما يضيّق أمام الدولة اللبنانية هوامش المناورة، وهي التي تتمسّك بالاتفاق، بعيدًا عن أيّ "طروحات جديدة" قد تُعيد ترتيب الأولويات على نحو يحمّل لبنان وحده أثمان التنفيذ من دون مكاسب مقابلة.

من جهته، يقرأ "حزب الله" التموضع الأميركي المستجدّ على أنه انتقال من "الوساطة" إلى "الضغوط الممنهجة"، ويرى أنّ أيّ تجاوبٍ أحادي قد يُترجَم لاحقًا كتنازلٍ مجانيّ يجرّ تنازلاتٍ أكبر، وهو ما يصرّ الحزب على رفضه، اعتراضًا على تقديم أيّ "هدايا مجانية" لإسرائيل، تحصل بموجبها في السياسة على ما لم تنجح في تحقيقه في الميدان، لا خلال الحرب، ولا حتى في المرحلة التي أعقبتها، على امتداد الأشهر الماضية.

وعند ربط ما سبق بالوقائع الميدانية والسياسية، يخلص المتابعون إلى أنّ احتمالات التصعيد وصلت فعلاً إلى أعلى مستوياتها، منذ اتفاق وقف إطلاق النار، فالضغوط الأميركية المتزايدة تضع لبنان في خانة "اختيار"، لا يُحسَد عليه، فإما ينفذ ما يُطلَب منه لجهة نزع السلاح، وهو ما يتطلّب غطاءً أمنيًا وعسكريًا لا يبدو متوافرًا أو حتى ناضجًا، أو مواجهة تبعات أكبر، قد لا يكون بمقدوره تحمّلها، وهو الذي لم ينتهِ بعد من ذيول الحرب الأخيرة.

خلاصة القول أنّ المشهد يتّجه إلى مفترقٍ حاد، فالوساطة الأميركية فقدت برأي كثيرين توازنها، فيما ​الخروقات الإسرائيلية​ تستمرّ بلا أيّ رادع. وبين رسائل براك وتصعيد "حزب الله"، لا يبدو أنّ مساحة المناورة واسعة. ولعلّ المخرج الواقعي يبدأ من قاعدة بسيطة: "خطوة مقابل خطوة" بضمانات واضحة لوقف الخروقات، لا إملاءات أحادية تُحمّل لبنان وحده الأكلاف، فهل تقبل واشنطن وتل أبيب بتقديمها، أم أنّ مسار التصعيد سيتقدّم على ما عداه؟!.