لم تتوقف التهديدات ولا التحديات الخطيرة التي تواجه بقاء وكالة "الأونروا" في ظل تضارب فاضح في المواقف الأميركية بين مؤيد لاستمرار عملها بعد وقف الحرب الإسرائيلية على غزة، وبين داعٍ إلى وقفها، استكمالًا للحصار السياسي والمالي الذي تتعرض له منذ سنوات، والذي أدى إلى تقليص الخدمات والتلويح بوقف دفع رواتب الموظفين.
وآخر فصول التهديدات تصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي قال أن الوكالة لن تضطلع بأي دور داخل غزة "لارتباطها بحركة حماس"، وهو موقف يتناغم كليًا مع الموقف الإسرائيلي، ويتناقض مع تعهدات سابقة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بالسماح للأمم المتحدة ووكالاتها بإدخال المساعدات وتوزيعها داخل القطاع.

وتؤكد مصادر فلسطينية لـ"النشرة" أن تصريحات روبيو تتعارض كليًا مع خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة، التي أكد فيها أن المساعدات ستدخل وتوزّع داخل قطاع غزة "دون تدخل من إسرائيل أو حماس، بل فقط عبر الأمم المتحدة ووكالاتها والهلال الأحمر، إضافة إلى مؤسسات دولية أخرى ليست مرتبطة بأي شكل من الأشكال بأحد الطرفين".
كما إنها تتناقض مع ما أكدته محكمة العدل الدولية بأن كيان الاحتلال ملزم قانونًا بضمان تلبية الاحتياجات الأساسية لسكان غزة، ودعم جهود الإغاثة التي تقودها الأمم المتحدة ووكالاتها، وفي مقدمتها "الأونروا"، باعتبارها شريان الحياة الرئيس للاجئين في القطاع.
وشددت المحكمة على أن هذه الالتزامات تندرج ضمن مسؤوليات الاحتلال كقوة قائمة بالاحتلال وفق القانون الدولي الإنساني، نافية في الوقت ذاته وجود أدلة تدعم الادعاءات "الإسرائيلية" ضد موظفي الأونروا، ما يعزز الحاجة إلى استمرار عملها ودعم دورها الإنساني في مواجهة الكارثة المتفاقمة في غزة.
بالمقابل، لم يتأخر رد "الأونروا" على التصريح الأميركي، إذ أكد المتحدث باسمها في غزة عدنان أبو حسنة أن ما صدر مؤخرًا عن محكمة العدل الدولية يشكل "أكبر رد على جميع الادعاءات والاتهامات"، موضحًا أن المحكمة أثبتت أن الوكالة منظمة محايدة، وتملك آليات تمنع أي اختراق، وأن الاحتلال لم يثبت إطلاقًا أن الـ"أونروا" مخترقة من قبل حماس.
وقال أبو حسنة إنّ "الموقف من الوكالة سياسي لا علاقة له بطبيعة عملها"، وشدد على أن "لا بديل عنها في تقديم المساعدات الإنسانية"، مطالبًا بـ"محاسبة من قتل موظفيها ودمّر منشآتها"، مشيرًا إلى أنّ المحكمة تحدثت بوضوح عن الدور الرئيسي وغير القابل لاستبدالها.
وتعتبر أوساط فلسطينية مسؤولة لـ"النشرة"، أنّ الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة يتبنيان رؤية تدعو إلى استبعاد "الأونروا" من المشهد الإنساني في غزة، "لأنهم يعتبرون أنها تُبقي قضية اللاجئين حيّة، وأن تصفيتها تعني تصفية هذه القضية ومعايير الحل السياسي المعروف بحلّ الدولتين"، مؤكدة أن "من يريد إلغاء خدماتها، فعليه أن يذهب إلى الجمعية العامة ويصوّت على ذلك هناك".
توازيًا، لم يتأخر الرد السياسي الفلسطيني، حيث دعت القوى الفلسطينية إلى إعداد خطة عمل عاجلة ومتكاملة لحماية الوكالة سياسيًا وماليًا، وتشكيل تحالف دولي وعربي وفلسطيني لمواجهة المخطط الإسرائيلي المدعوم أميركيًا، الهادف إلى تفكيكها وشطب صفتها السياسية والقانونية كشاهد أممي على حق العودة وفق القرار الأممي رقم 194.
ووفقًا لمصادر فلسطينية، فإن هذه الدعوات لم تأتِ فقط على خلفية الموقف الأميركي الجديد، بل في ظل تصاعد محاولات المساس بدور الوكالة على خلفية ما خلص إليه التقييم الاستراتيجي الذي أعدّه الخبير الدولي إيان مارتن، والذي عرضه لاحقًا على مؤسسات القرار الدولي.
وطرح التقييم الذي قدّمه مارتن أربعة خيارات بديلة، كلها خطيرة وتقود في مجملها إلى إنهاء الوكالة أو إفراغها من مضمونها، وهي: الإبقاء على الوضع الحالي دون حلول جذرية ما يؤدي إلى إفلاس تدريجي لها، تخفيض الخدمات ونقل بعض الوظائف إلى جهات أخرى (السلطة الفلسطينية، الدول المضيفة، أو منظمات بديلة)، إنشاء مكتب ومجلس تنفيذي لدعم المفوض العام، وإبقاء "الأونروا" بوصفها وصيًا على حقوق اللاجئين مع نقل تدريجي للخدمات إلى جهات أخرى.
وأعدّت الجبهة الديمقراطية خطة ثلاثية المستويات، تبدأ على المستوى الفلسطيني بعنوان (محور الوحدة والمواجهة الشعبية)، ويقوم على توحيد الموقف الفلسطيني بين كل الأطياف السياسية والنقابية والشعبية في معركة الدفاع عن "الأونروا" ورفض كل مشاريع الدمج أو التقليص أو التلاعب بتفويضها الأممي، وتشكيل هيئة وطنية متخصصة للدفاع عنها تعمل كمظلة تنسيقية لتوحيد الجهود ومتابعة الملفات السياسية والقانونية والإعلامية.
أما المستوى الثاني، فهو العربي بعنوان (محور الضغط الإقليمي والتنسيق)، ويتضمن دعوة جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي إلى تحمّل مسؤولياتهما السياسية والمالية تجاه الوكالة، واعتبار دعمها كجزء لا يتجزأ من معركة الدفاع عن فلسطين وحقوق اللاجئين.
أما الثالث فهو المستوى الدولي بعنوان (محور الحماية المالية والسياسية)، ويقوم على مطالبة الدول المانحة بتثبيت التزاماتها وزيادة مساهماتها فورًا لتفادي انهيار موازنة الوكالة نتيجة قطع أو تراجع المساهمات، وخصوصًا بعد وقف الدعم الأميركي.
























































