يتجاوز المشهد ال​لبنان​ي ال​إسرائيل​ي الراهن مرحلة كانت معتمدة على اكثر من عقدين من الزمن: جولة ​صراع​ و"كباش" يمتد لايام، قبل ان تعود الأمور الى طبيعتها ويخرج الجميع "منتصراً". الواقع غير ذلك تماماً، والتطورات المتسارعة منذ اكثر من سنتين، تظهر بوضوح وجود حالة عميقة من الاختلال في ميزان القوى، وتحجيماً للمساحات ال​دبلوماسية​، ووضعًا لبنانياً معقدًا يتفاقم داخليًا وخارجيًا. وفي خضم هذا التطور، لا تخجل إسرائيل من عرض استراتيجيتها التي تقوم على إثبات التفوق، بينما يجد لبنان نفسه وحيدًا، في ظل ضعف داخلي و"غض نظر" دولي.

تُعدّ ال​اعتداءات​ الإسرائيلية اليومية والاغتيالات المستهدفة والمناورات العسكرية على الحدود من دون ان ننسى تحليق الطائرات المسيّرة على مدار الساعة، رسائل واضحة ومباشرة، لا يمكن وضعها ضمن اطار ردود أفعال، بل هي استراتيجية ممنهجة لفرض وقائع جديدة على الأرض. هذه الأعمال العسكرية المتكررة تهدف إلى إضعاف الطرف اللبناني، وتكريس صورة إسرائيل ك​قوة​ لا يمكن تحديها في المنطقة. أما رفضها لأي مبادرات حسن نية، فيعكس قناعة تامة بأن الموقف الحالي يخدم مصالحها بشكل أفضل، وأن الحوار ليس ضروريًا في ظل التفوق الميداني والمعنوي والدبلوماسي.

إن استهداف قوات "اليونيفيل"، يعتبر خطوة بالغة الوقاحة، انما مقصودة. فرغم أن الاعتداء على هذه القوات يعد انتهاكاً للقانون الدولي، إلا أن رد الفعل الدولي "اللامبالي"، يؤكد تفوق إسرائيل دبلوماسياً. هذه الحادثة ترسل رسالة قوية إلى لبنان، مفادها أن المجتمع الدولي لن يكون حامياً فعالاً، وأنه لا يمكن الاعتماد عليه كضامن في حال أي تصعيد. هذا ما يزيد من عزلة لبنان، ويضعف أي أمل في تدخل خارجي حاسم، ويضعه امام واقع لا مفرّ منه.

يحمل ترقب وصول السفير الأميركي ميشال عيسى، إلى استمرار وتأكيد، الرؤية الأميركية القائمة على تشجيع الحلول المباشرة بين لبنان وإسرائيل، دون الحاجة إلى وسطاء. بعد تجربة المبعوثين توماس براك ومورغان أورتاغوس، واللذين لم ينجحا في إحداث تقدم جوهري. هذه الرؤية تترجم عمليًا إلى دفع لبنان إلى التفاوض مباشرة مع إسرائيل، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً، نظراً لعدم تكافؤ القوة بين الطرفين. إن الولايات المتحدة، من خلال هذا الموقف، تؤكد على دعمها الأساسي لإسرائيل، وتظهر أن أي حل لن يخرج عن سياق تفوق إسرائيل وشروطها، وما تدخل مصر في هذا الامر سوى تأكيد على موافقة العرب على الموضوع.

إن قدرة لبنان على المواجهة، سواء كانت عسكرية أم دبلوماسية، تبدو شبه معدومة في الوقت الحالي. يدرك الإسرائيليون ذلك جيداً، ولذلك يفضّلون تجنب الغزو البري الذي قد يكون مكلفاً، ويعتمدون على القصف من بعد، سواء بالطائرات أو بالبوارج الحربية اذا اقتضى الامر. هذا التكتيك يضمن استنزافاً اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً للبنان، دون تكبيد إسرائيل خسائر. إنها حرب استنزاف تهدف إلى "تركيع" الخصم ببطء وفاعلية، مستغلين الأزمات الداخلية اللبنانية وضعف الدولة.

إن ​حزب الله​، الذي كان يُنظر إليه كقوة توازن، يواجه تحديات جديدة تضعف قدرته على فرض نفسه بنفس الطريقة التي كان يفعلها سابقاً. إن التهديدات والمهل الإسرائيلية، التي تجد قبولاً عربياً ودولياً ضمنياً، تضع لبنان في موقف حرج. هذا الواقع يجبر لبنان على إعادة تقييم استراتيجيته والتعامل مع التداعيات على هذا الأساس، حيث لم يعد بمقدوره الركون إلى تحالفات إقليمية أو دولية توفر له الحماية الكاملة.

في المحصلة، تظهر المعطيات أن لبنان يقف اليوم في عزلة شبه كاملة. تتناغم التكتيكات الإسرائيلية العدوانية مع الضعف الداخلي اللبناني وتبرؤ المجتمع الدولي من دوره الفعال، لخلق معادلة جديدة لا تصب في مصلحة لبنان. لم يعد حزب الله قادرًا على إحداث ردع حاسم كما كان في السابق، والمهل الإسرائيلية تحظى بدعم ضمني يسمح بتمريرها.

لبنان بات اليوم امام واقع مرير لم يعتد عليه في السابق، فهل سيتأقلم سريعاً؟.