الإنسان هو إنسان عامل، ليس فقط للأمور الفانية بل للأمور الباقية في الحياة الأبديَّة. الإنسان ليس فقط ترابيًّا، أي جسديًّا، بل فيه نسمة حياة من الربِّ، وكما أنَّ التراب إلى التراب يعود، كذلك نسمة الحياة إلى الربِّ تعود، لهذا نحن لا نموت بمعنى أنَّنا نفنى، بل نرقد استعدادًا للحياة الأبديَّة مع الربِّ على الرجاء. نحن نرتِّل في المزامير: «اعلموا أنَّ الربَّ هو الله. هو صنعَنا، وله نحن شعبه» (مزمور 100: 3). لقد دعانا الربُّ للعمل من أجل الملكوت السماويِّ قائلًا: «اعمَلوا، لا للطعام البائد، بل للطعام الباقي للحياة الأبديَّة الَّتي يعطيكم ابن الإنسان، لأنَّ هذا اللهُ الآبُ قد ختَمَهُ» (يوحنَّا 6: 27).
تقيم الكنيسة في الثالث من شهر تشرين الثاني تذكار تجديد هيكل القدِّيس جاورجيوس في اللَدِّ في الأراضي المقدَّسة. قبل البدء بشرح العيد لا بدَّ من ذكر أنَّ اسم جاورجيوس يأتي من اليونانيَّة Γεώργιος - Geórgios ويعني العامل في الأرض أو الفلَّاح لكونه مؤلَّفًا من Γη- GI أي الأرض و ergon أي العمل. صحيح أنَّ اسم جاورجيوس يشير إلى الأرض إلَّا أنَّ قدِّيسنا رفعه بجهاده ونعمة الربِّ إلى العلى. هذه الرفعة مثال لنا وإثبات على أنَّ كلَّ إنسان يستطيع العمل نفسه. ولكون الربِّ يسكن في الإنسان ويقدِّسه، تصبح رفاته أيضًا مقدَّسة، لهذا يوجد في الكنيسة تكريم لرفات القدِّيسين، نقول تكريمًا لا عبادة، بل إقرارًا وتأكيدًا لنعمة الربِّ الفاعلة في الإنسان.
منذ القرون الأولى والمؤمنون في الكنيسة يهرعون للاحتفاظ برفات القدِّيسين والربُّ يأتي من خلالها بعجائب جمَّة. الربُّ يسوع المسيح صار جسدًا لنقتبل نحن الإلهيَّات. كم من قدِّيس فاض نور المسيح منه وهو ما زال على قيد الحياة. وكم من قدِّيس اجترح العجائب وهو حيٌّ في الجسد. هذه ثمار قوى الربِّ غير المخلوقة الَّتي تنحدر على الإنسان فتؤلِّهُه وتنيره.
الكنيسة منذ بدايتها وعت أهمِّيَّة وجود القدِّيسين وكرَّمتهم أجلَّ تكريم لأنَّهم إنجيل حيٌّ بكلِّ ما للكلمة من معنى. ومنهم القدِّيس جاورجيوس الَّذي يقام عيده في 6 أيَّار على التقويم الشرقيِّ (أي 23 نيسان على التقويم الغربيِّ). وجميل أن نعرف أنَّ عيد الشهداء جعل في تاريخ عيد القدِّيس. أمَّا ذكرى تجديد هيكل القدِّيس جاورجيوس فمرتبطة بنقل رفات القدِّيس إلى كنيسة تمَّ تدشينها هناك حملت اسمه. تمَّ ذلك في القرن الميلاديِّ الرابع خلال حكم الإمبراطور قسطنطين الكبير. مدينة اللدِّ هي مسقط رأس القدِّيس، فيما كان استشهاده في مدينة نيقوميذية، العاصمة الشرقيَّة للإمبراطوريَّة الروميَّة. أعيد بناء الكنيسة في فترة الصليبيِّين، ثمَّ في الحقبة العثمانيَّة.
يُلاصق كنيسة القدِّيس جاورجيوس جامع معروف باسم جامع الخَضِر. كان في الأصل كنيسة، ثمَّ حُوِّل إلى مسجد في العهد المملوكيِّ سنة 1269م بأمر من السلطان بيبرس.
نسمع شعبيًّا أنَّ القدِّيس جاورجيوس معروف بـ «الخضر» في بلادنا خاصَّة عند الإسلام. في الحقيقة الارتباط هو شعبيٌّ وليس دينيًّا إذ إنَّ الخضر هو في الإسلام، وبحسب صحيح البخاري في كتاب الأنبياء (حديث رقم 3402) أنَّ العبد الصالح المذكور في سورة الكهف (60–65) الَّذي علَّم موسى النبيَّ هو «الخَضِرُ» لأنَّه جلس على فَرْوَةٍ بيضاءَ، فإذا هي تَهتزُّ خَضراء.
قد يكون الارتباط في التسمية جاء من مسيحيِّين أجبروا على اعتناق الإسلام في أيَّام المماليك، وذلك لقوَّة الشخصيَّتين ورمزهما الكبير.
وقد يكون ايضا بسبب معنى اسم القديس الذي هو فلاح الأرض اي يجعل الأرض مثمرة وخضراء.
القدِّيس العظيم في الشهداء جاورجيوس اللابس الظفر هو من القرن الثالث، ومكانته كبيرة في نفوس المؤمنين، وكثيرون يُدعَون باسمه إلى اليوم. من أقدم تصاويره في الفنِّ الإيقونغرافيِّ نشاهده في أيقونة من القرن الميلاديِّ السادس واقفًا عن يسار والدة الإله الجالسة على العرش وفي حضنها الربُّ يسوع الَّذي يبارك. عن يمينها القدِّيس ثيوذوروس وخلفها ملاكان، وفي الأعلى يد الربِّ تبارك. الأيقونة من محفوظات دير القدِّيسة كاترينا في سيناء.
نشاهد عادة القدِّيس جاورجيوس فارسًا يمتطي جوادًا أبيض، وهو يطعن تنِّينًا برمحه الطويل. لون الحصان يرمز إلى الطهارة والقوَّة الإلهيَّة. يشير التنِّين إلى الشيطان المهزوم وأيضًا إلى الوثنيَّة المندثرة. عادة ما يكون الرمح مغروسًا في فم التنِّين إشارة إلى قوَّة كلمة المسيح الَّتي تُسكت كلَّ شرٍّ وهرطقة واعوجاج، وأحيانًا يكون رأس الرمح من الأعلى عليه الصليب الَّذي عليه انتصر الربُّ على الشيطان وغلب الموت.
يظهر القدِّيس جاورجيوس شابًّا غير ملتحٍ وشعره قصير مجعَّد، أذناه ظاهرتان بالكلِّيَّة إشارة إلى بعد أعمق من شكل الفرسان، هي إشارة إلى سماعه كلمة الربِّ والعمل بها. هو فارس قويٌّ وشجاع بلباسه العسكريِّ الكامل، ووجهه ثابت ومملوء بالإيمان والطمأنينة والثقة بالانتصار لأنَّ المعركة روحيَّة بامتياز. الحصان على قائمتيه الخلفيَّتين لأنَّ المعركة محتدمة. وجود المدينة أو القلعة في الخلفيَّة وأحيانًا الأميرة أمامهما تمثِّل الروح أو البشريَّة الَّتي خُلِّصت بالإيمان. وفي بعض الأيقونات نرى يد الربِّ في الأعلى لأنَّ يسوع هو مصدر القوَّة وهو الغالب والمنتصر. طعن التنِّين مرتبط بأسطورة من القرون الوسطى عن أنَّ ابنة أحد الملوك قُدِّمت ضحيَّة لتنِّين، فأتى القدِّيس جاورجيوس وقتله وخلَّصها وخلَّص المدينة.
هناك أيقونات أخرى تُظهر القدِّيس جاورجيوس بمفرده منتصبًا كاملًا أو بنصف جسمه لابسًا زيَّه العسكريَّ الكامل مع الرمح أو السيف والترس لكونه كان قائدًا في الجيش الرومانيِّ واستشهد لعدم نكران إيمانه المسيحيِّ ورفضه لاضطهاد المسيحيِّين. وهناك أيقونات تظهر مراحل تعذيبه. رداؤه الأحمر يشير إلى الاستشهاد.
في الخلاصة كتب بولس الرسول: «الْبَسُوا سلاحَ الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضدَّ مكايد إبليس. فإنَّ مُصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع وُلاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشرِّ الروحيَّة في السماويَّات» (أفسس 6: 12-13).
إلى الربِّ نطلب.




















































