يقف الكثيرون بذهول امام سياسة المكيالين التي تنظر فيها الإدارة الأميركية الحالية الى كل من لبنان وسوريا. ولكن، بعد مراقبة الأوضاع والتصريحات الصادرة عن المسؤولين الرسميين في كل من واشنطن ودمشق، تنجلي الضبابية ويتلاشى الذهول، ليتبيّن المعيار الذي يحكم نظرة إدارة الرئيس دونالد ترامب، والتعاطي مع الدول المحيطة بإسرائيل. هذا التباين يعكس استراتيجية محدثة في رسم السياسات الخارجية لواشنطن، التي تستند إلى المصالح أكثر من الاعتبارات الثابتة. إن سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، وصعود قوى الأمر الواقع الجديدة في دمشق، يتقاطع مع مشهد لبناني مضطرب يتميز بتطورات سياسية وعسكرية كبيرة، ويضع اميركا في موقف السائق الذي يتولى دفة القيادة ويحدد وجهة السير والمسار.
فبعد سقوط نظام الأسد، دخلت سوريا "عهداً جديداً" بقيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، الذي بات "الابن المدلل" لاميركا والغرب. يعود هذا القبول إلى إبداء الشرع (الجولاني) رغبة في صياغة استراتيجية مختلفة في العلاقات مع إسرائيل، والانضمام رسمياً للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الذي كان في السابق احد الناشطين في منظماته. من وجهة النظر الأميركية، يمثل هذا التحول فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي. إن القيادة السورية الجديدة، ورغم تأكيدها على عدم الدخول في مفاوضات مباشرة وفورية مع إسرائيل، لم تعد تشكل تهديداً مباشراً للمصالح الأميركية، بل حليفاً، وهذا الرضا الأميركي ينبع من إمكانية دخول سوريا في مسار فائق الإنفتاح على إسرائيل.
في المقابل، يواجه لبنان وضعاً مغايراً تماماً، على الرغم من انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية بداية العام الحالي، وهو الذي يحظى بدعم الاميركيين، كان التحدي الأكبر لواشنطن، ولا يزال،القضاء على حزب الله، ليس بهدف استقرار لبنان، بل لتسريع الخطى نحو كسر آخر العقبات امام احتمال الانفتاح على إسرائيل. ولا شك ان ضعف الحزب بعد اغتيال امينه العام السابق السيد حسن نصر الله واستهداف قياداته واحداً تلو الآخر، إضافة الى الامعان في اضعاف قدراته العسكرية التي باتت خجولة، ساهم بشكل كبير في تعزيز هذا التوجه الأميركي.
تنظر واشنطن إلى لبنان بوجه عابس بسبب عدم حماسه للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل والتطبيع معها، بينما الذريعة المعلنة هي عدم معالجة قضية سلاح حزب الله. تمنح الولايات المتحدة لبنان مهلاً زمنية للتعامل مع هذا الملف، مهددة بضغوط إضافية،وتعرف الإدارة الأميركية بشكل اكيد، أن نزع سلاح الحزب بالقوة قد يؤدي إلى حرب أهلية، مما يفرض جعل المقاربة الأميركية متوازنة بين الضغط لتحقيق هدف استراتيجي (أمن إسرائيل وإضعاف إيران) وتجنب الفوضى الشاملة. من منظار واشنطن، تتلخص المقارنة في ان الفرصة سانحة حالياً في سوريا لإقامة علاقات جديدة مع قيادة أبدت استعداداً للتعاون والانفتاح على الغرب، وتعمل على تحييد النفوذ المعادي للمصالح الأميركية في المنطقة، واكثر من مرحبة بالتطبيع مع إسرائيل، وهذا هو الأهم. اما في لبنان، فالوضع اصعب قليلاً، لذلك يستمر الضغط الجاد لإضعاف الحزب، واستغلال أي فرصة لدفعه الى التخلي عن سلاحه أو إجباره على القبول بمفاوضات سلام وتطبيع مع إسرائيل، على الرغم من كل الخطوات الصغيرة (انما المهمة) التي تم تحقيقها وفق السياسة الأميركية الموضوعة.
لذلك، يمكن القول ان إسرائيل هي الجزرة التي التقطها الشرع (الجولاني)، ولو انها موجودة على عصا أميركية، بينما لا يزال لبنان "يغض النظر" حالياً عن الجزرة، ولا يزال يتلقى الضربات بالعصا(المهددة بالتزايد والقساوة) الى ان يقبل بالجزرة ويدخل "نعيم" الانفتاح الغربي والأميركي عليه.
فهل كان يجب على لبنان ان يسلّم بالامر الواقع ويلتحق بقطار التطبيع في اسرع وقت ممكن ويجلس الى جانب الشرع (الجولاني) في المقطورة نفسها؟ الوقت وحده كفيل باعطاء الجواب.























































