تبدأ رحلتنا الميلاديَّة في الخامس عشر من شهر تشرين الثاني، وهي رحلة أربعينيَّة لبلوغ عيد الميلاد المجيد، أي ظهور الربِّ في الجسد. نقرأ عن الأحداث الميلاديَّة في إنجيلَي متَّى ولوقا، وفي كلٍّ منهما أحداث تكمل بعضها لتصل بنا إلى الهدف المنشود، وهو الاتِّضاع الكامل لنولد من جديد مع الربِّ المتجسِّد الَّذي صار إنسانًا وبقي إلهًا طبعًا. الولادة الجديدة تخلع عنها كلَّ قديم، الأهواء السيِّئة، التمسُّك بالخطايا، الكبرياء، التعلُّق بالترابيَّات وغيرها. هي ولادة ترفعنا إلى العلى، إلى عشقٍ ما بعده عشقٌ، فالإله الخالق صار جسدًا ليرفعنا من الترابيات إلى الإلهيَّات.
هذا ما تدعونا إليه الفترة الأربعينيَّة المقدّسة التي تتخلَّلها صلوات وقراءات، وتذكار أنبياء، بالإضافة إلى الأحد الثاني قبل الميلاد المجيد، أي أحد الأجداد القدِّيسين بدءًا من الإنسان الأوَّل آدم وصولًا إلى خاتمة الأنبياء القدِّيس يوحنَّا المعمدان، مرورًا بالآباء الأوَّلين ابراهيم وإسحق ويعقوب وكلِّ الأنبياء الَّذين تنبَّأوا عن مجيء المخلِّص وخلاصه وقيامته، والأحد الأوَّل قبل الميلاد، أي أحد النسبة، أي نسب يسوع بالجسد (متَّى ولوقا).
وبعدها يأتي البارامون وهي كلمة يونانية παραμονή – paramonē من الفعل اليونانيِّ paraménō (παραμένω) أي يبقى بجانب، يظلُّ قريبًا، يستمرُّ في البقاء، يثبت، انتظار وإقامة في حالة ترقُّب. كلها معانٍ تشير إلى الاستعداد والتهيئة. البارامون يسبق العيد، وخدمته مليئة بالصلوات والقراءات والتراتيل الخاصَّة بالعيد، بالإضافة إلى القدَّاس الإلهيِّ، كلُّها تهيِّئ الإنسان ليدخل جوهر العيد وعمقه اللاهوتيَّ وبُعده الخلاصيَّ ويرجع إلى ذاته ويكتشف الملكوت الداخلي فيه. إنَّه استعداد داخليٌّ لولادة جديدة، كأنَّنا نقف على أعتاب النور لنعبر بإيمان وفرح. ولا نتوقَّف عند عيد الميلاد، بل يأتي العيد الجامع لوالدة الإله في اليوم التالي للميلاد لأنَّها ولدته بالجسد، وعيد القدِّيس يوسف خطِّيب مريم يوم الأحد بعد الميلاد مباشرة، لكونه المرافق الأمين لوالدة الإله وللربِّ المخلِّص. ومن ثمَّ نقيم تذكار الأطفال الَّذين قتلهم هيرودس في 29 كانون الأوَّل، وختامًا نودِّع عيد الميلاد في اليوم الأخير من السنة الميلاديَّة (31 ك1). نودِّعه ليتورجيًّا لا عيشًا وإيمانًا، ونتهيَّأ مباشرة لعيد الظهور الإلهيِّ في 6 كانون الثاني. وهكذا دواليك، ننتقل من عيد إلى عيد لأنَّ حياتنا مع الربِّ يسوع المسيح عيد مستمرٌّ، والأعياد كلُّها خلال السنة الليتورجيَّة الكنسيَّة هي في عمقها عيد واحد، لأنَّ محورها الربُّ يسوع المسيح الَّذي هو العيد.
جيِّد أن ندرك أنَّ أحد الأجداد لا ينحصر بالأشخاص الَّذين ذكرهم العهد القديم. ولا يتعجَّبنَّ أحد إنْ قُلنا إنَّه يشمل أشخاصًا بحثوا بصدق عن الخالق وسر الوجود وحاولوا اكتساب الفضائل، من فلاسفة أمميِّين وشعراء وغيرهم، لأنَّ كلَّ إنسان في داخله بذار إلهيَّة كما قال القدِّيس الفيلسوف يوستينس الشهيد (90/100 – 165م).
وخير دليل على بحث الفلاسفة هو القول الَّذي استشهد به بولس الرسول في أريوس باغوس (Areopagus) وهو يخاطب الأثينيِّين: «لأنَّنا به نحيا ونتحرَّك ونوجَد. كما قال بعض شعرائكم أيضًا: لأنَّنا أيضًا ذرِّيَّته» (أعمال 17: 28). الآية الأولى مقتبسة من الفيلسوف والشاعر الكريتيِّ Epimenides (ق 6 ق م) الَّذي بحث في وحدة الوجود الإلهيِّ في الكون والمصدر الواحد للوجود والحياة، وهو قوَّة الحركة في المخلوقات. هذا يصبُّ في أنَّ الإنسان جزء من «الكلِّ الإلهيِّ». وقد دعا الشاعرُ الإنسانَ إلى عيش الطهارة ليليق بالمعطي الحياة لأنَّ الإنسان غير منفصل عنه. وكان يرى أنَّ الخطيئة هي اختلال في العلاقة والتناغم والانسجام والاتِّحاد مع الطاقة الإلهيَّة المحرِّكة، لذا كان يدعو للعودة إلى المصدر الإلهيِّ، وأن يدرك المرء أنَّه حيٌّ به. وكلُّ انسجام معه هو حياة، وكلُّ بُعد وتضادّ هو ضعف في الوجود يصل إلى الموت.
هذا «الكل» والمصدر هو المبدأ والمنطق والكلمة، وهو يملأ الكلَّ. وهذا ما عنى به الفلاسفة باللوغوس Logos. فأبدع في هذا الاتِّجاه القدِّيس يوحنَّا الإنجيليُّ اللاهوتيُّ مفتتحًا إنجيله به قائلًا: «في البدء كان الكلمة Logos، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمةُ اللهَ» (يوحنَّا 1:1). وذلك ليقول لهم بأنَّ مَن تبحثون عنه تجسَّد وهو الربُّ يسوع المسيح.
وقد عنى بولس الرسول باقتباسه قول Epimenides أنَّ الإله المجهول الذي كان الأثينيون يقيمون له مَذْبَحًا هو يسوع الَّذي ظهر له على طريق دمشق وهو مشتهى القلوب، وبه نحيا وخارجه نموت، ونتحرَّك بانسجام معه على الطريق نفسه لأنَّه الطريق، ونوجد بمعنى نحقِّق هدف وخلقنا أي القداسة.
لقد صدق Epimenides بمخاطبته الإله المحيي بقوله له بأنَّه ليس ميِّتًا إلى الأبد بل هو قائم وحيُّ. ولم يكتف بولس بشاعر واحد بل اقتبس قول شاعر يونانيٍّ آخر وهو Aratus (315 – 240 ق م) الَّذي تكلَّم على الإله الإغريقيِّ Zeus في قصيدته الشهيرة Phaenomena الَّتي تتكلَّم على الظواهر الفلكيَّة والكواكب والنجوم، فقال: «من Zeus نبدأ، إذ لا يجوز للبشر أن ينسوا اسمه؛ الشوارع والميادين تمتلئ به، البحر والمرافئ مشبعة بروحه، فكلُّنا نحتاج إليه، لأنَّنا من نسله»، فبولس خاطب الأثينيِّين بلغتهم ليقول لهم بأنَّنا نحن من ذرِّيَّة يسوع.
في الختام، نحن نرتِّل: «استعدِّي يا بيت لحم فقد فتحت عدن للجميع .تهيَّئي يا إفراثا[1] لأنَّ عود الحياة قد أزهر في المغارة من البتول. لأنَّ بطنها قد ظهر فردوسًا عقليًّا فيه الغرسة الإلهيَّة الَّتي، إذ نأكل منها نحيا ولا نموت مثل آدم. المسيح يولد لكي ينهض الصورة الَّتي سقطت منذ القديم».
تعالوا نقول: لنستعدَّ ونتهيَّأ لنكون خصبًا إلهيًّا، لأنَّ المسيح يولد فينا لكي ينهضنا.
إلى الربِّ نطلب.
[1]. إفراثا اسم عبريٌّ يعني «المثمرة» أو «الأرض الخصبة» أو «بيت الثمر». وهو اسم موضع واسم امرأة (أخبار الأيَّام الأوَّل 2: 19) ارتبطًا بنسل سبط يهوذا وبيت داود. وهو الاسم القديم لبيت لحم. وذكرها ميخا في نبوءته بحيث يولد فيها المسيح (ميخا 5: 2)، وفي المزامير (مزمور 132: 6). في بعض النصوص، قد يُقصد بها المنطقة أو الإقليم المحيط ببيت لحم، لا المدينة ذاتها.





















































