يتداول الكثيرون تعابير عديدة عن الفنون، جزءٌ يقول عن الفنّ إنّه شرق أوسطي، وجزءٌ يقول إنّ الفنّ يحمل صفةً وطنية، وجزءٌ يُعطيه صفةً دينية، إلا أنّنا نفخر بأنّنا أعطينا للفنّ صفةً قوميّةً عربيّة، وذلك بتأسيس معرض الفنّ العربي (ARAB ART FAIR) عام 2019 في بيروت، ليكون أوّل معرضٍ دوليٍّ للفنّ العربي.
وذلك انّه، عندما ابتدأ وعينا، عرفنا أنّنا ننتمي إلى أرضٍ واحدة، وأنّ لهذه الأرض لغةً ثريّة، هي لغة 450 مليون إنسانٍ، يتوزّعون على اثنتين وعشرين دولة، وحيث تتواجدُ هذه الدول على قارتين، آسيا وأفريقيا، في قلب العالم القديم، المُكتشَف منذ آلاف الأعوام، ووطنِ الحضارات العديدة التي استوطنت هذه الأرض.
هؤلاء العرب لهم تاريخٌ غنيّ، فيه لحظاتُ فخرٍ، وفيه أيضًا سنونٌ عجاف. منتمون إلى أرضٍ أحيانًا يعشقها بنوها، ينتفضون ويموتون من أجلها، أرضٍ سُقيت دماءً أكثر ممّا سُقيت ماءً. وإنّه، وفي وسط الأزمات والاحتلالات والغزوات والحروب، لا بدّ لك وأنت القابع في أيّ نقطةٍ فيها، أن تهتمّ لما يجري في أيّ نقطةٍ أخرى منها.
هنا أدركتُ أنّ الفنّ لا يمكن إلّا أن يُعطى صفةً وطنيّةً أولًا وقوميّةً ثانيًا، وأنّ الفنانين العرب ما برحوا يعملون ويثورون سويًّا. ألم تكن مقاهي بيروت وما زالت مقصدًا للفنانين العراقيين والسوريين واللبنانيين وغيرهم من الجنسيّات؟ ألا يمكن أن يستهويك، وأنت في بيروت، عملٌ فنيٌّ يقدّمه فردٌ في القاهرة أو الرياض أو دمشق أو بغداد أو صنعاء أو الرباط؟.
لا يصِل الكاتب إلى قمّة العطاء إلّا متى ما فَقِه فيه جميعُ من نطق العربية، كذلك حالُ الشعراء وأهل الغناء والموسيقى.
معرض الفنّ العربي كان محطةً هدفت إلى الإضاءة على الفنون البصريّة العربية، من رسمٍ ونحتٍ وتصويرٍ وفنّ الخطّ وغيرها، فنونٍ هي في قلب نهضة الأمم، زادَ ثقلُها في أزمنةٍ شهدت انتعاشاتٍ فكريةً واقتصاديةً وسياسية، وشهدت أيضًا ضحولًا وذبولًا في أزمنةٍ كثيرةٍ أخرى، إلا أنّها استمرّت وبقيت، وخلّد روّادُها ولو بعد حين.
معرض الفنّ العربي منصّةٌ دوليّةٌ للاحتفال بالإبداع العربي، إبداع أبناء هذه الثقافة الواحدة، والتاريخ الأوحد، واللغة الواحدة، والدولة الواحدة التي استمرّت متماسكة أكثر من ألف عام، على الرغم من تغيّر النُّظُم السياسية فيها.
والفنّ لا بدّ أن يكون عربيًّا، ولا يمكن أن يُنعت بصفةٍ دينية، فمثلًا لا يمكنك القول بوجود فنٍّ إسلاميّ كما فضّل بعض المستشرقين، لأنّ الأرض العربية وفنونها كانت قبل الإسلام واستمرّت معه.
وكما حالُ لبنان الذي يعيش على أرضه طوائفُ ومذاهبُ متعدّدة، قد تختلف مواضيعُ الفنون فيه، إلا أنّها ليست ذات طبائع وخصائص مختلفة باختلاف الطوائف والمذاهب. وكذلك حالُ مصر، فليس للأقباط فنٌّ يختلف عن فنّ المسلمين هناك.
كما لا يمكنك أن تقول إنّ الفنّ شرق أوسطي، لأنّه ما الذي قد يجمع أو يلاقي فنَّ أبناء باكستان مع فنون البحر المتوسّط؟ بينما الفنّ قد يكون عربيًّا، إلا أنّه يتوزّع ويغتني بثقافات الدول الخاصّة، لأنّ كلّ دولةٍ لها طبيعتها وخصائصها الجغرافية التي تميّزها، والتي تجعل أهل الفنّ يستوحون منها مادّةً لفنّهم.
كذلك، والحالُ هذه، سيكون لك بطبيعة الحال فنٌّ صينيٌّ واحدٌ أوحد، جمعته اللغة والثقافة والتاريخ الواحد، يختلف عن فنّ كازاخستان –وهي دولةٌ حدوديّةٌ للصين– أو عن فنّ الهند والنيبال، وهي دولٌ حدوديّةٌ للصين أيضًا، لأنّها تختلف عنها في اللغة والتاريخ والثقافة.
والفنّ لغةٌ حضاريةٌ ينمو ويزدهر مع ازدهار الأمم، ذلك أنّ أبناء أيّ أرضٍ يصبح لهم باعٌ في رؤيته والتمتّع بثناياه، بينما في أوقات الأزمات يصبح همُّهم الأساس الأمنَ والكساءَ والغذاء.
وإنّ إعطاء الفنّ صفةً عربيةً يعني إعطاءه صفةً حضاريةً مستقلّة، فنحن، وعلى الرغم من أزماتنا، نبقى أبناء أرضٍ وحضاراتٍ عديدةٍ على أرضنا، حضاراتٍ نشأت وازدهرت، ثم هرمت وضحلت، وهذا هو حالُ الأمم قديمًا وحديثًا.
وكلمة "عربيّ" مُستقاةٌ من "عابر"، أي رجل البادية كثيرُ الترحال، وذلك أنّ أبناء هذه الأرض ما زالوا كثيري الترحال والنزوح والهجرة، بدايةً بسبب المياه والبحث عن الغذاء، إلا أنّ ذلك أيضًا كان بسبب العصبيّات والتنافس القبلي، ثم أصبح وقود ذاك الترحال، الصراعات بين الدول الحديثة. وهم بذلك ما زالوا يحتفظون بصفة العبور حتى يومنا هذا.
والفنّ عربيّ، كما أنّ الشعر عربيّ، مهما تغيّرت القوافي والبحور، إلّا أنّ الشعراء العرب ينظمون قصائدهم بالروح ذاتها، هي الروح العربية.
وللفنّ العربي مزايا زخرفيّة حينًا، ألوانه غامقة، تُشكّل الطبيعة أساسًا له، حيث إنّ الثقافة العربية لم تكن تستحسن –وما زالت– التشخيص، كرسم الأفراد والأجساد والعُريّ، ولا الواقعية، كرسم المناطق والمدن أو القرى؛ ممّا جعل الفنّ العربي يشترك في صفاتٍ واحدةٍ مهما اختلف وطنُ أبنائه.
والفنّ العربي لا يمكن أن تُعطيه صفةً دينية، لأنّ الإسلام لم يُعطِ الفنانَ الحريّةَ في رسم الشخوص الدينية أو تصويرها، لذا برز الفنّ في المساجد في الخطّ العربي، فأبدع الخطاطون في تزيين المساجد والقصور بالحروفيات، في حين أنّه في عصر النهضة الأوروبية أبدع الأوروبيون، وخاصةً الإيطاليين، في رسم الشخوص الدينية في الكنائس.
وعليه، فالفنّ عربيّ، لا صفةَ دينيةً له، لا يمكنك نعته بالإسلامي، ولا يمكنك إعطاءه وصمةً جغرافية، كأن تقول فنٌّ شرق أوسطي.
الفنّ عربيّ، ومعرض الفنّ العربي هو منصّةٌ لأبناء الأمّة العربية ليُظهروا إبداعاتهم وأعمالهم، كما أنّ منتدى الفنّ العربي، الذي يجري بالموازاة مع المعرض، يُشكّل منصّةً لإجراء الحوارات بين خبراء الفنون من نقّادٍ ومقتنين ومنسّقي فنونٍ وفنّانين وأكاديميين وغيرهم.
هي بادرةٌ بدأت في ذهن شخصٍ آمن بها، وجعلها رسالةَ حياة، جابه فيها ما جابه من تحدّياتٍ في ظلّ أوضاعٍ لم تكن سويّةً في بلاد الأرز، إلا أنّها ضمّت، وفي ثلاث دورات، أكثر من مئتي فنانٍ قدِموا من ثلاث عشرة دولةً إلى بيروت، ليُظهروا فنونًا عربيةً، فنونَ الأمّة والأرض العربية.
والموعدُ قادمٌ بين بيروت ولندن. في بيروت الانطلاقةُ والاستمرارية – لأنّ بيروت ما برحت عاصمةَ الفنّ العربية، هكذا عرفناها وهكذا نرغب أن تبقى – ولندن عاصمةُ الفنّ الغربية وسوقُها الأهمّ.
معرض الفنّ العربي من 4 ولغاية 7 كانون الأوّل 2025 في بيروت، وفي 23 و24 كانون الثاني في لندن.
هذا هو الوعد، والأملُ يبقى أن يزدهر ما بدأه شخصٌ واحدٌ من رؤيةٍ فرديّةٍ ليصبح رؤيةً مؤسسيةً تُسهم في ازدهار الفنون العربية.
*تجدر الاشارة الى ان "النشرة" هي واحد من ابرز رعاة المعرض.





















































