شكلت زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان حدثاً تاريخياً كبيراً، في ظل التحديات التي لا تزال تواجه البلاد، بدءاً من الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية الصعبة، بالإضافة إلى التحديات الأمنية المرتبطة بإستمرار الإعتداءات الإسرائيلية اليومية، وصولاً إلى التهديدات بأنّ تل أبيب قد تبادر إلى شن عملية عسكرية موسعة بعد إنتهاء الزيارة، من دون تجاهل التوترات الداخلية المرتبطة بأكثر من ملف، ما يفتح الباب أمام الكثير من علامات الإستفهام حول كيفية تطبيق المبادئ التي تحدث عنها.
إنطلاقاً من ذلك، يمكن فهم أهمية الرسائل التي كانت قد أطلقها البابا، خلال وجوده في لبنان، لا سيما على مستوى التشديد على أهمية السلام، حيث كانت الزيارة تحمل عنوان: "طوبى لصانعي السلام"، إلى جانب التأكيد على أهمية الحفاظ على العيش المشترك بين اللبنانيين، وعدم الرضوخ لمنطق الإحباط، خصوصاً أن المطلوب، بحسب البابا، أن تكون بلاد الأرز نبوءة سلام لكل المشرق.
في جميع محطات هذه الزيارة، كان من السهل تلمس عمق الآمال التي يعلقها اللبنانيون عليها، حيث كانت النظرة إليها من منطلق أنها قد تحمل معها بشائر الإنتقال إلى مرحلة جديدة من تاريخ البلاد، على عكس حملات التهويل التي رافقتها، في حين لم يخفِ البابا سعادته في هذه الزيارة، الأمر الذي لاحظه، بشكل واضح، غالبية المشاركين في تلك المحطات، وكأنه أراد أن يقول: "أنا معكم لا تقلقوا على المستقبل".
في خضم هذا المشهد، بكل معانيه، لا يمكن تجاهل دور اللجنة المنظمة لهذه الزيارة، لكن الأبرز يبقى دور الأجهزة العسكريّة والأمنيّة، لا سيما الجيش اللبناني، الذي أثبت، كما العادة، قدرته على مواكبة حدث تاريخي من هذا النوع، بالرغم من كل المهمات الملقاة على عاتقه في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان، سواء على مستوى مواجهة الأخطار على الحدود، أو على مستوى الحفاظ على الإستقرار الداخلي، من خلال الإجراءات التي قام بها منذ ما قبل وصول البابا إلى البلاد.
قد يظن البعض أن الأمر لا يشكل مهمة صعبة، بل من الطبيعي أن يتولى الجيش، إلى جانب باقي الأجهزة الأمنية، أخذ كل هذه الإجراءات اللازمة بسهولة تامة، لكن ما ينبغي التنبه إليه هو أن الأزمة الاقتصادية، التي تعيش على وقعها البلاد منذ العام 2019، كانت قد أثرت على قدرات تلك الأجهزة، التي باتت مطالبة بمهام إضافية بسبب الأوضاع القائمة، وبالتالي هذا الحضور القوي على مستوى ضمان نجاح الزيارة رسالة بحد ذاته، بأن الإنهيار، الذي كان قد طال مختلف مؤسسات الدولة، لم يطل المؤسسة العسكرية، وكانت زيارة البابا، بما تشكله من أهمّية عالميّة، محطة لبعث هذه الرسالة.
في المحصّلة، يؤكد بعض المراقبين أن هذا المشهد يتجاوز حدود إجراءات أمنيّة وعسكريّة لمواكبة هذه الزيارة التاريخيّة، بل يمثل تأكيداً على أن الجيش اللبناني لا يزال هو النواة الصلبة التي يمكن بناء الإستقرار عليها، وبالتالي هو قادر على تنفيذ مختلف المهمات التي تطلب منه، رغم كل التحديات الداخلية والخارجية المحيطة، حيث كانت يد المؤسسة العسكرية هي اليد الأولى التي أنجحت الزيارة، وضمنت إتمامها بالشكل المميّز، من دون تسجيل أيّ شائبة، تحديداً على المستوى الأمني.























































