يُعدّ تعليم السيّد المسيح: "مَن ضربك على خدّك فحوِّلْ له الآخر" من أكثر النصّوص الإنجيليّة إثارة للجدل وسوء الفهم، خصوصًا لدى الشباب الذين يرون فيها أحيانًا تنازلًا أو ضعفًا أو قبولًا بالإهانة. غير أنّ هذا التعليم يشكّل في عمقه الدستور المسيحيّ، وخلاصة الخطاب المسيحانيّ، الذي عاشه الربّ يسوع بنفسه في كلّ محطات حياته، من الميلاد إلى الجلجثة والموت والقيامة.
لم تأتِ كلمة الربّ يسوع "مَن ضربك على خدّك فحوِّلْ له الآخر" مبتورة، بل هي امتداد مباشر لما سبقها من تعليم: "أحبّوا أعداءكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل المسيئين إليكم". الذي هو جوهر الدين المسيحيّ الذي علينا عيشه في كلّ يوم من حياتنا، بل في كلّ لحظة منها.
قبل شريعة حمورابي التي قالت "العين بالعين والسن بالسن"، كان الإنسان ينتقم بلا حدود، وكانت الكراهية تتكاثر في دوّامة لا تنتهي. ولم يلغِ السيّد المسيح هذه العدالة، بل نقلها من مستوى الانتقام إلى مستوى التحرير. فبدل أن يكون ردّ الاعتداء اعتداءً مضاعفًا، أصبحت المحبّة هي القوّة التي توقف الشرّ وتقتلعه من جذوره.
إنّ وصيّة "تحويل الخدّ الآخر" ليست نكتة سخيفة، وليست دعوة إلى قبول الإهانة، بل هي أسلوب مقاومة غير عنيفة، يهدف إلى كسر دائرة الشرّ، لا إلى تبرير الظلم. إنّها قوّة داخلية تجعل الإنسان حرًا من الغضب، وقادرًا على مواجهة المعتدي بموقف أخلاقي يحرّك ضميره، ويُحدث لديه صدمة إيجابيّة، ويفتح أمامه باب التراجع والتحوّل.
نعم، بهذا التعليم افتتح المسيح شريعة المحبّة التي تمكّن الإنسان من دخول مسيرة المصالحة والغفران. وهذا ما يوصل إلى الوصيّة الجديدة التي أعلنها الربّ يسوع: "أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم". وقد أكّد القديس أغسطينوس جوهر هذه الشريعة بمقولته الشهيرة: "أحبب وافعل ما تشاء"، لأنّ من يحبّ لا يمكن إلّا أن يسامح، ومن يسامح يفتح الطريق أمام حياة جديدة، ليس للآخر فحسب بل لذاته أيضًا.
أمّا الجدل الذي ظهر أخيرًا حول تسخيف هذه التعاليم أو استخدامها في سياقات كوميديّة ومشادات إعلاميّة، فيكشف عن مشكلة أعمق، وهي انعدام الاحترام المتبادل بين المؤمن وغير المؤمن.
فمن لا يؤمن لا يحقّ له أن يسخر ممّن يؤمن، لأنّ الاستهزاء بالمقدّسات هو في الحقيقة استهزاء بالإنسان المؤمن وجرح لمشاعره. وفي المقابل، من يؤمن لا يحقّ له أن يدين غير المؤمن، بل عليه أن يشجّعه على التفكير وعلى العودة للقاء بالربّ، فالنعمة وحدها قادرة على تحويل القلوب.
الكنيسة مدعوّة إلى أن تعلّم لا أن تحاكم، وأن ترافق لا أن تقسو. ولكنّها، في الوقت نفسه، لا تستطيع أن تقبل بتسخيف المقدّسات، لأنها تعلم الاحترام وهي الضمير الأخلاقي، الذي عبّر عنه بولس الرسول بالابتعاد عن المسيء إلى حين يعود إلى رشده، كي لا يتحوّل الاستهزاء إلى قاعدة أو قبول اجتماعي.
وفي القانون اللبناني يجرّم ازدراء الأديان. ولربما يطالب البعض بإلغائه، وهذا أمر قابل للنقاش، ولا أمانع ذلك شخصيًّا. لكن إن أُلغي، فلا بدّ من سنّ قانون واضح يدين التنمّر والإهانة، لأنّ من يزدري دينًا معيّنًا إنما يزدري الإنسان الذي يؤمن بهذا الدين. والاحترام المتبادل ليس "مزحة"، بل أساس كلّ مجتمع يسعى إلى الإصلاح والعدالة والشفافية والحياة الكريمة، لذا يجب احترام التعدديّة الدينيّة، الذي هو انعكاس لاحترام الإنسان.
لقد أتعبنا تراجع مستوى الخطاب العام، وتدنّي لغة الحوار، وازدياد الاستهزاء بكلّ ما هو مقدّس وقيميّ. ولا يمكن لأيّ مجتمع أن ينهض ما لم يحترم الإنسان أخاه الإنسان. إنّ المحبّة ليست ضعفًا، بل هي الطريق الأقوى إلى بناء مجتمع سليم يحفظ كرامة الجميع.
*مدبر عام في الرهبانية الأنطونية





















































