«والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا» (يوحنَّا 1: 14). آية مفصليَّة كتبها القدِّيس يوحنَّا الإنجيليُّ، تحمل في طيَّاتها تحقيقًا للتدبير الخلاصيِّ الإلهيِّ للبشريَّة، وتحقيقًا للنبوءات في العهد القديم، وأيضًا إعلان المحبَّة الكبرى اللامتناهية للربِّ تجاه البشريَّة جمعاء.
العبارة هي آية الآيات، تلخِّص كلَّ الإيمان المسيحيِّ وتشكِّل القاعدة الأساسيَّة لكلِّ امتداد من المسيحيَّة تجاه الآخرين، وكلِّ تلاقٍ من الآخرين تجاه المسيحيَّة.
بمعنى أوضح: هي محور اللقاء الأساسيِّ، لأنَّ المسيحيَّة، دون صيرورة الكلمة إنسانًا، لا أساس لوجودها. وفي المقابل، واجب على المسيحيِّ أن ينقل هذا الإيمان للآخرين، لأنَّه البشرى السارَّة للجميع. هذا ما أوصانا الربُّ بفعله: «اذهبوا وتلمِذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتُكم به. وها أنا معكم كلَّ الأيَّام إلى انقضاء الدهر. آمين» (متَّى 28: 19-20).
وصيَّة لا يحقُّ لنا إغفالها وتدويرها باسم المحبَّة والتلاقي، وإلَّا أمسينا خارج المسيحيَّة، وحرمنا الآخرين محبَّة الفادي المخلِّص. والتبشير يتمُّ بمحبَّة كبيرة على صورة محبَّة الربِّ لنا، شرط أن نكون عاشقين ليسوع، وأن يكون هو الأوَّل في حياتنا. والهدف من أيِّ تلاقٍ مع الآخر هو اللقاء السماويُّ من خلال الربِّ يسوع المسيح، ولا معنى لأيِّ لقاء خارجه.
المثال الأوَّل على ذلك ما قاله يسوع بنفسه عندما سأله قيافا وهو يحاكمه: «أأنت المسيح ابن المبارَك؟»، فقال يسوع: «أنا هو» (مرقس 14: 61-62). وعبارة «أنا هو» تعني «يهوه»، أي الكائن ومعطي الحياة، وهو مَن نسمِّيه في اللغة العربيَّة «الله». كلمة «ابن» هنا تأكيد للجوهر الإلهيِّ الواحد مع الآب والروح القدس، وثلاثتهم إله واحد، ولا تعني إطلاقًا أنَّ الله تزوَّج وأنجب ولدًا.
المثال الثاني هو الرسل الأطهار وبولس الرسول الَّذين جابوا العالم ينقلون البشرى السارَّة للمسكونة. كانوا كتلة محبَّة مشتعلة بالربِّ فشهدوا واستشهدوا.
المثال الثالث الآباء القدِّيسون الَّذين بشَّروا وكتبوا ووعظوا وأعلنوا الإيمان المستقيم في المجامع.
هنا لا بدَّ من توضيح بعض العبارات بهدف إظهار المعنى الكامل لكلِّ عبارة وحسن فهمها. لنبدأ بالآية: «والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا». الكلمة هو اللوغوس logos وهي في المذكَّر لا في المؤنَّث، ومعناها الفعل من ذاته والمنطق والمبدأ والتعبير الإلهيُّ. ويصعب حصر المعاني بكلمة واحدة. وبالأساس هي تعبير فلسفيٌّ حمل كلَّ ما ذكر أعلاه وأكثر، وقد تبنَّته الكنيسة لأنَّ مَن بحث عنه الفلاسفة كإله كونيٍّ وتاقوا إلى معرفته هو الربُّ يسوع المسيح، مع الفرق الكبير أنَّ إلهنا شخصيٌّ أتى إلينا واتَّحد فينا ولم يعد إلهًا مجهولًا، ونحن لا نذوب فيه بل نبقى أيقونات قائمة بحدِّ ذاتها. فإذا كان الربُّ في الماضي قد عرَّف النبيَّ موسى عن اسمه «يهوه» أي الكائن، في العلَّيقة المشتعلة وغير المحترقة، لا ليكون حدثًا عابرًا، بل مستمرًّا لأنَّ يسوع هو العلَّيقة المشتعلة دائمًا في قلوبنا وفي العالم أجمع.
فيما يخصُّ عبارة «صار جسدًا»، الكلمة اليونانيَّة هي σάρξ - sárx أي اللحم المادِّيُّ بمعنى الجسد، ومن هنا نقول «تجسَّد». وهناك معنى آخر أساسيٌّ جدًّا وهو «تأنَّس» أو «تأنسن»، بمعنى صار إنسانًا ἄνθρωπος – ánthrōpos. هذا تمامًا ما نقوله حرفيًّا في دستور الإيمان «وتجسَّد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنَّس».
صحيح أنَّ دستور الإيمان في جزئه الأوَّل كُتب في المجمع المسكونيِّ الأوَّل (325م) إلَّا أنَّه لم يؤلَّف من لا شيء، ولم يكن نتيجة اختراع بشريٍّ، بل ترجمة لما أعلنه يسوع بنفسه، علمًا أنَّه كان يوجد قبله عند المؤمنين نصوصٌ إيمانيَّة مشابهة، مع اختلاف في الترتيب الإنشائيِّ، فأتى المجمع ونظَّم الترتيب ليكون واحدًا للجميع.
أمَّا عبارة «حلَّ فينا» فهي لا تعني إطلاقًا الحلوليَّة أو الذوبان بل السكنى. في اللغة اليونانيَّة الَّتي كتب فيها النصُّ، الفعل هو ἐσκήνωσεν – eskínosen، وهو في صيغة الماضي للمعلوم، الغائب المفرد، والفعل هو skinóo – σκηνόω ينصب خيمة، والاسم هو σκηνή - skiní الَّذي يعني «خيمة». المقصود هو التحقيق الكامل لما كان يعرف بخيمة الاجتماع في العهد القديم حيث كان الله يجتمع مع موسى النبيِّ، أي هو يسوع الهيكل الحقيقيُّ ونحن به أصبحنا هياكل الروح القدس.
هذا كلُّه ليشير إلى أنَّ الربَّ لم يبقَ بعيدًا عنَّا لأنَّ المحبَّة هي اللقاء والاتِّحاد والتضحية. وقد كتب القدِّيس أثناسيوس الكبير عن يسوع «متأنِّسًا (تأنَّس) لكي نؤلَّه[1]» أي اتِّحاد الكلمة «الربّ» بالطبيعة البشريَّة فتعيش ملء الإنسانيَّة الصالحة وليمنحها التألُّه بالنعمة الإلهيَّة.
فبفعل التجسُّد والتأنُّس/التأنسن نقول بأنَّ يسوع لديه الطبيعة البشريَّة الكاملة، بالإضافة إلى الطبيعة الإلهيَّة في شخصه الواحد. «وبالإجماع عظيمٌ هو سرُّ التقوى: الله ظهر في الجسد، تبرَّر في الروح، تراءى لملائكة، كُرِزَ به بين الأمم، أُومِنَ به في العالم، رُفِعَ في المجد» (1 تي 3: 16).
في الخلاصة: الميلاد هو ميلاد الربِّ الَّذي أصبح إنسانًا، وبقي إلهًا في الوقت نفسه. هو صاحب العيد وهو العيد، ولا معنى للعيد دون هذه الحقيقة القاطعة باستقامة كلمة حقِّه. وإن أحببنا المسيح وعشقناه عشناه وبشَّرْنا به، لكي يكون فرح الجميع كاملًا به.
إلى الربِّ نطلب.
[1]. Ἐνανθρωπήσας ἵνα θεοποιηθῶμεν - Enanthropísas ína theopoiithómen