لعيد الميلاد المجيد مكانة مميزة في الدين المسيحي، فهو يعكس تجسد الاله وتآلفه مع العالم البشري ليعلّم الناس كيفيّة عيش المحبة في كل الظروف، ومهما وصلت اليه الامور، حتى ولو ادى ذلك الى... الموت. من الطبيعي الا يكون هذا المفهوم سهلاً بالنسبة الى الديانات الاخرى التي لا تعترف بالمسيح ابناً لله، ولكن اعتماد التوازن وعدم التطرف من قبل كل الاديان، ساهم في تقريب الناس من بعضهم، وكسر الاسوار العقائدية التي يقف خلفها اصحاب المعتقدات الدينيّة الاسلاميّة واليهوديّة والهندوسيّة وغيرها... ولا شك ان عيش المسيحيين (للاسف قسما منهم فقط)، رسالة المحبة الحقيقية، ساعد كثيراً في اظهار اهمية الانسان، اياً يكن انتماؤه الديني والطبقي والعرقي... فرسالة الخلاص التي حملها المسيح، اساسها السلام والتسامح والاخوّة للآخر.
هذا الامر، ساهم في حضور الميلاد عند أديان أخرى، وإن من زوايا مختلفة، وقد تطوّر هذا العيد عبر القرون ليحمل طابعاً اجتماعياً وثقافياً يتجاوز العقائد. فشجرة الميلاد، الزينة، الأضواء، تبادل الهدايا، واللقاء حول المائدة العائليّة، باتت رموزاً عالمية للفرح والدفء الإنساني. هذه الممارسات غير الطقسيّة سمحت لغير المسيحيين حتى بالمشاركة في أجواء العيد، من دون أيّ التزام ديني، ما جعل الميلاد مساحة جامعة بدل أن يكون مناسبة حصريّة.
في مجتمعات متعدّدة دينياً وطائفياً مثل لبنان، تلعب هذه المشاركة دوراً محورياً في تعزيز العيش المشترك. فالاحتفال المتبادل، سواء في الميلاد أو في أعياد أخرى، يساهم في كسر الصور النمطية، وتقريب الناس من بعضهم البعض، خصوصاً في ظل أزمات سياسية واقتصادية تغذّي الانغلاق والتوتر. كما أنّ هذه المساحات المشتركة تساعد على مواجهة خطاب الكراهية، وتُضعف تأثير التطرف الذي ينمو عادة في بيئات الخوف والعزلة.
ومن المنطقي في هذا السياق، ان يعمد البعض الى تعزيز التطرف وشد العصب الديني بمفهوم قاس، خصوصاً عندما يرى ان التقارب بين الجميع من مخنلف الاديان، اصبح واقعاً ملموساً، لذلك يبذل المتطرفون (الى اي دين انتموا)، مجهوداً مضاعفاً لكسر هذه الصورة، والابقاء على الاسوار التي شيدوها لينغلقوا ويجبروا بيئتهم ومجتمعهم على القيام بالمثل، وغالباً ما ينعكس ذلك من خلال اللجوء الى العنف والكراهية تحت شعارات زائفة، والتخويف من "سيطرة الدين المسيحي" الذي يهدف (كما يروجون) الى فرض نفسه بالقوة على المعتقدات الدينية الاخرى. غير ان التطرف يتناقض جوهرياً مع اسس الرسالات السماوية، التي التقت جميعها على قيم الرحمة، العدالة، وصون كرامة الإنسان. إن تحويل الدين إلى أداة إقصاء أو عنف لا يخدم الإيمان، بل يشوّه رسالته ويقوّض دوره الأخلاقي في المجتمع، لذلك نرى ان رؤساء الطوائف الروحية ينبذون العنف ويروّجون للسلام، مع احترام المعتقدات الدينية لكل دين وطائفة. من هنا، لا يستغرب اللبنانيون مظاهر الاحتفالات بالعيد التي تعم مختلف المناطق اللبنانية، والتي يريد منها الناس الركوب في قطار الفرح والامل في زمن يسود فيه الانقسام والحقد، وهذا لا يعني بأي حال من الاحوال انه اذا وضع شخص غير مسيحي شجرة في منزله، او اضواء الزينة في شارعه او المنطقة التي يغلب عليها الطابع غير الميحي، انه قد تحوّل الى مسيحي وبات حاملاً للعقيدة المسيحية.
من هنا، يأتي عيد الميلاد المجيد كتذكير سنوي بأن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بالانغلاق، بل بالقدرة على المحبة وبناء السلام. وفي بلد كلبنان، تبقى هذه الرسالة أكثر من مجرد احتفال، إذ تشكّل ضرورة وطنية وأخلاقية في مواجهة الانقسام، ودعوة دائمة إلى التلاقي تحت سقف الإنسانية المشتركة، واعتماد مبادئ التسامح والتضحية والانفتاح بدل التقوقع والعنف والحقد التي لا تؤدي الا الى المآسي، والحقيقة تقال ان اللبنانيين لا يحتاجون الى المزيد منها.