لم يكن ظهور ما سُمّي بـ«مجلس السلام» في غزة حدثًا إجرائيًا عابرًا، بل لحظة كاشفة لتحوّلٍ أعمق في هندسة النظام الدولي. فحين تُنشأ آلية سياسية–مالية–أمنية موازية لمعالجة نزاعٍ بحجم النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي، فإن السؤال لا يتعلّق بجدوى إعادة الإعمار فحسب، بل بمرجعية القرار الدولي ذاته: من يملك سلطة تعريف السلام؟ ومن يملك تفويض إدارته؟ وهل يمكن للسلام أن يُنتَج خارج الأطر التي تأسس عليها النظام الدولي بعد 1945؟
المسألة هنا لا تختزل في شخص دونالد ترامب أو في ظرفٍ سياسي أمريكي محدد، بل تتصل بمفهوم «البديل الوظيفي» عن الأمم المتحدة. فمجلس السلام، بصيغته المُعلنة، قدّم نفسه كآلية سريعة لتجميع الموارد، وتثبيت الأمن، وإعادة البناء. غير أنّ السرعة في السياسة الدولية لا تعني دائمًا المشروعية، كما أنّ جمع الأموال لا يُساوي إنتاج الشرعية.
أولاً: هل جرى تقويض الأمم المتحدة فعلاً؟
تقويض الكيانات الدولية لا يتمّ فقط عبر إلغائها، بل عبر إنشاء منصات تؤدي وظائفها خارجها. حين يُبنى إطارٌ يتناول إعادة إعمار إقليم متنازع عليه، ويبحث في ترتيبات أمنية انتقالية، ويستقطب دولًا مانحة، من دون أن يكون امتدادًا واضحًا لمنظومة الأمم المتحدة أو خاضعًا لآلياتها الرقابية، فإننا نكون أمام تحوّلٍ في مركز الثقل، لا مجرد مبادرة إضافية.
الأمم المتحدة، بحكم ميثاقها، ليست صندوق تمويل بل مرجعية شرعية. هي التي تمنح التفويض، وتُعرّف حدود القوة، وتُوازن بين السلم والأمن وتقرير المصير. أما حين تُنقل هذه الوظائف إلى منصة تقودها دولة بعينها، فإن الشرعية تتحول من «توافق متعدد الأطراف» إلى «إدارة ائتلافية بقيادة قوة كبرى». الفرق هنا جوهري: الأول يستند إلى نظام قانوني، والثاني إلى وزن سياسي.
لكن هل يعني ذلك أنّ الأمم المتحدة قُوِّضت؟ ليس بالمعنى المؤسسي الصريح. لم يُلغَ مجلس الأمن، ولم تُلغَ قراراته. إلا أن تقويض المرجعية قد يكون أخطر من تقويض البنية؛ إذ يكفي أن تصبح الأمم المتحدة إطارًا بطيئًا يُستعاض عنه بمنصات «أكثر فاعلية»، حتى يبدأ التآكل التدريجي لمركزيتها. إن الشرعية حين تُزاحمها الفعالية، غالبًا ما تتراجع أمام من يملك القدرة التنفيذية.
ثانيًا: ماذا استفادت غزة فعلاً؟
السؤال الأكثر إيلامًا ليس قانونيًا بل واقعيًا: هل تغيّرت شروط الحياة في غزة؟
من الناحية النظرية، جرى الإعلان عن تعهدات مالية، وعن تصورات لإعادة الإعمار، وعن أفكار لقوة تثبيت دولية. غير أنّ الإعمار ليس هندسة إسمنت، بل إعادة بناء شروط الوجود: أمن، سيادة، تنقل، اقتصاد، اعتراف سياسي. فإذا ظلّت هذه العناصر معلّقة، تحوّل الإعمار إلى «إدارة ركام» لا إلى إنهاء صراع.
الربط بين الإعمار ونزع السلاح، أو بين إعادة البناء وترتيبات أمنية تُصاغ خارج التمثيل الفلسطيني المباشر، يُدخل المبادرة في معضلة فلسفية: هل يمكن أن تُبنى مدينة فيما يظل تعريفها السياسي غير محسوم؟ وهل يصبح السلام مشروطًا بالامتثال، أم يكون الإعمار خطوة في مسار تفاوضي متكافئ؟
الوقائع حتى الآن تشير إلى فجوة بين الخطاب والملموس. لم تتشكل سلطة فلسطينية انتقالية واضحة المعالم ضمن المجلس، ولم تُحسم طبيعة التفويض الأمني، ولم يبدأ إعمار واسع النطاق يعكس وعود المؤتمرات. من هذه الزاوية، يصعب القول إن غزة استفادت سياسيًا أو مؤسساتيًا، وإن كانت قد استفادت رمزيًا من إعادة إدراجها في أجندة الاهتمام الدولي.
ثالثًا: لماذا امتنعت فرنسا… وما دلالة ذلك؟
التحفظ الفرنسي لم يكن اعتراضًا على إعمار غزة، بل على الإطار المؤسسي الذي يتم عبره ذلك. باريس رأت أن المشاركة الأوروبية – عبر المفوضية – تفتقر إلى تفويض واضح من الدول الأعضاء، وأن السياسة الخارجية لا يمكن أن تُمارس بقرارات إدارية منفردة. هذا الاعتراض يحمل بعدين:
دفاعٌ عن التوازن المؤسسي داخل الاتحاد الأوروبي.
تحفظٌ سياسي على آلية قد تُفسَّر كبديل جزئي عن المسار الأممي.
الموقف الفرنسي يكشف انقسامًا أعمق داخل الغرب نفسه: بين من يرى أن الفاعلية التنفيذية أولى من التعقيد القانوني، ومن يرى أن تجاوز الشرعية متعددة الأطراف يُنتج حلولًا هشّة. لكن في المقابل، يبقى السؤال الأخلاقي قائمًا: هل يكفي الاعتراض المؤسسي، أم كان الأجدى طرح بديل أوروبي عملي يُوازي سرعة المبادرة الأمريكية؟
وفي الخلاصة لا يمكن الجزم بأن «مجلس السلام» قد قوض كيان الأمم المتحدة بمعناه القانوني، لكنه بلا شكّ ساهم في إعادة توزيع مركز القرار الدولي، وأعاد فتح النقاش حول من يملك تعريف السلام ووسائله. أما غزة، فبين خطاب الإعمار وشروط السيادة، ما زالت تقف في منطقة رمادية: ليست خارج الاهتمام، لكنها أيضًا ليست داخل حلٍّ مكتمل المعالم.
المعضلة الحقيقية لا تكمن في وجود مبادرة بديلة، بل في طبيعة البديل:
هل هو تعجيل للسلام ضمن شرعية واضحة؟
أم إعادة هندسة سياسية فوق أرضٍ لم تُمنح بعد حق تقرير مصيرها الكامل؟
إذا لم يتحقق التوازن بين الشرعية والفعالية، بين الأمن والسيادة، بين التمويل والتمثيل، فإن أي مجلس –مهما كان اسمه– سيبقى إطارًا ناقصًا. والسلام، في نهاية المطاف، ليس مشروع إدارة دولية، بل اعتراف متبادل يولد من داخل الأرض لا من فوقها.
























































