دخلت المخيمات الفلسطينية في دائرة الاستهداف الإسرائيلي المباشر في إطار الحرب المفتوحة على لبنان، ولم تعد مجرد أماكن لجوء موقتة، بل باتت في قلب معادلة النار المفتوحة، في مشهد يعيد طرح الأسئلة القديمة بصيغة أكثر قسوة وخطورة.
وأظهرت الوقائع الميدانية أن إسرائيل أدخلت كل المخيمات في بنك أهدافها دون أي تمييز، إذ توزّع استهدافها بين الشمال والجنوب والضاحية، في مؤشر يتجاوز البعد العسكري الضيق إلى رسائل أوسع.
ففي مخيم البداوي في الشمال، استهدفت (5 آذار 2026) القيادي الحمساوي وسيم العلي، الذي ارتقى وزوجته زينب توفيق أبو الحجل.
وفي مخيم المية ومية في منطقة صيدا، استهدفت (24 آذار 2026) القيادي الحمساوي محمد كعوش، الذي ارتقى وزوجته مروة عبد السلام.
وعلى طريق المدرسة الرسمية في مخيم البرج الشمالي في مدينة صور (24 آذار 2026)، استهدفت الشاب ربيع طلال حليحل بطائرة مسيّرة، حيث ارتقى شهيدًا.
والاستهداف لم يقتصر على الضربات المباشرة، بل ترافق مع إنذارات بالإخلاء طالت مخيمات جنوب الليطاني، مثل الرشيدية والبص والبرج الشمالي، ضمن دعوات أوسع لإفراغ مناطق جنوبي الليطاني والزهراني، تمهيدًا لفرض منطقة عازلة عبر التوغل البري.
ولم يكن إدراج مخيم برج البراجنة في الضاحية الجنوبية خارج هذا السياق، بل يعزز فرضية توسيع نطاق الضغط ليشمل التجمعات الفلسطينية أينما وُجدت.
ووفقًا لمصادر فلسطينية لـ"النشرة"، فإن حصيلة هذه الاستهدافات وصلت إلى 28 شهيدًا منذ بداية العدوان في الثاني من آذار، في رقم يعكس حجم الانخراط القسري للمخيمات في مسرح العمليات.
غير أن خصوصية المشهد تبرز بوضوح في مخيمات الجنوب، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة والتاريخ. فهذه المخيمات، الممتدة على مقربة من الحدود مع فلسطين المحتلة، لطالما شكّلت هاجسًا استراتيجيًا لدى إسرائيل، التي سعت تاريخيًا إلى إبعاد اللاجئين عنها، خشية تحوّلهم إلى امتداد بشري وجغرافي لفكرة العودة.
من هنا، تقرأ مصادر فلسطينية عبر "النشرة" ما يجري اليوم بوصفه أكثر من مجرد استهداف عسكري عابر، بل كجزء من مسار قد يفضي إلى تهجير ممنهج، يُعاد من خلاله رسم الخريطة الديموغرافية على تخوم الحدود. ويكتسب هذا القلق مشروعيته في ظل تزامن القصف مع إنذارات الإخلاء، ومع غياب مقومات الصمود الأساسية، سواء على مستوى الإغاثة أو الدعم السياسي والخدماتي.
لكن هذه القراءة لا تنفصل عن تجربة سابقة، إذ لم تكن هذه المحاولة الأولى. فقد سعت إسرائيل مرارًا، منذ عقود، إلى تفريغ الجنوب من اللاجئين الفلسطينيين، غير أن هذه المخططات اصطدمت بصمودهم وتمسكهم بمخيماتهم، التي لم تكن يومًا مجرد مساكن، بل تحولت إلى رمز للهوية وذاكرة جماعية ترفض الانقطاع عن فلسطين.
اليوم، يعود المشهد ذاته، لكن في ظروف أكثر تعقيدًا وخطورة، ما يطرح تحديًا مزدوجًا: ليس فقط منع التهجير، بل تثبيت الحضور الفلسطيني في أماكنه. وهو ما يتطلب، وفق المصادر الفلسطينية، تحركًا عاجلًا يتجاوز البيانات، نحو التفاف وطني فلسطيني شامل، يواكبه دور فعلي من القوى السياسية، إلى جانب اضطلاع وكالة الأونروا بمسؤولياتها في ظل غياب الحد الأدنى من مقومات الصمود، سواء على مستوى الإغاثة أو الخدمات.
بالمقابل، يشعر اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات أنهم متروكون لمصيرهم، إذ لم تلامس الإجراءات التي اتخذتها وكالة الأونروا والقوى السياسية مخاوفهم، حيث غاب الإعلان عن خطة طوارئ واضحة، واقتصر الأمر على فتح مراكز إيواء في صيدا ومركز سبلين بعد موجة النزوح من مخيمات صور، دون تأمين الاحتياجات الأساسية للنازحين.
في المحصّلة، تقف المخيمات الفلسطينية مرة جديدة عند خط تماس بين مشروعين: مشروع يسعى إلى تفكيكها وإزاحتها عن الجغرافيا، وآخر يتمسك بها كعنوان للوجود والحق. وبينهما، يبقى العامل الحاسم هو القدرة على الصمود، كما كان دائمًا، في مواجهة محاولات إعادة إنتاج التهجير بأدوات جديدة.




















































