المسيحيَّة ليست دينًا ولا شرائع ولا قوانين، بل هي المشروع الإلهيّ الخلاصيُّ الوحيد والفريد وأعلنها الإله المتجسِّد الربُّ ​يسوع المسيح​ الَّذي ليس له مثيل. هو أتى إلينا ليعيد لنا ما فقدناه في سقوطنا في الخطيئة، ويقول لنا وجهًا لوجه: أنت يا إنسان خلقتك على صورتي، أي أنت أيقونة εἰκόνα – eikona كما وردت الترجمة اليونانيَّة السبعينيَّة للنصِّ العبريِّ لسفر التكوين للكلمة العبريَّة tselem. اللافت أنَّه يوجد في لغتنا المحكيَّة في بلادنا وجوارها كلمة شعبيَّة قديمة جدًّا هي "زلمي / زلمه" وتشير إلى الإنسان الشجاع والقويِّ والمقدام. قد يكون التشابه الصوتيُّ والدلالة في المعنى آتيًا من المحيط السامي القديم.

الربُّ خلقنا لنكون أناسًا أقوياء به وشجعانًا بإيماننا بخلاصه لنا. محطَّات خلاصيَّة تنتظرنا في الفترة المقبلة، بدءًا من إقامة يسوع للعازر الرباعيِّ الأيَّام الَّذي أنتن في القبر، وفي اليوم التالي نحتفل بدخول - بصعود الربِّ يسوع المسيح إلى أورشليم ليعود يُصلب ويقوم من بين الأموات ويقيمنا معه. وطبعًا لا ننسى فيض النور المقدّس في يوم سبت النور العظيم.

عشيَّة ​أحد الشعانين​ والإثنين والثلاثاء تقام خدمة صلاة الختن أي العريس، والأربعاء صلاة الزيت المقدَّس فخميس الأسرار والجمعة العظيمة لنختم زمن التريودي بسبت النور ويكون اليوم التالي أحد الفصح المجيد الَّذي هو اليوم الأوَّل من زمن البندكستاريون أي الخمسينيّ المتوَّج بأحد جميع القدِّيسين بعد أحد العنصرة.

هكذا ننتقل مع يسوع من زمن إلى زمن آخر مليء بالنعم. وكي نغرف حقيقةً بالملء من الخِدم الكنسيَّة لا بدَّ أوَّلًا من أن نعتلي عرش الصليب حيث يموت الكبرياء القاتل في نفوسنا ونقبل بتواضع كبير أن يقال لنا ما قاله بيلاطس للفرِّيسيِّين عن يسوع: «هُوَذَا الإِنْسَانُ!» (يوحنَّا 19: 5)، بعد أن أسلموه له، وأمر بجلده وألبسه إكليل الشوك وثوب الأرجوان إذلالًا للربِّ وتحقيرًا.

هذه تمامًا أيقونة الختن الَّتي نزيِّحها في صلاة الختن. ندعوه عريسنا لأنَّه عرس الحمل المذبوح ليصنع بنا «كلَّ شيء جديدًا» (رؤيا 21: 5) ويعطي العطشان من ينبوع الحياة مجَّانًا (رؤيا 21: 6).

لقد دخل يسوع عالمنا لندخل عالمه، وهنا نطرح السؤال المهمَّ؟ هل نسمح له حقًّا بأن يدخل حياتنا ونفوسنا وقلبنا وكلَّ كياننا؟ وأيضًا هل فعلًا نريد أن ندخل عالمه؟

الإجابة على السؤال تكمن في التالي: من نتبع؟ هل نعيش أقواله وتعاليمه أو لدينا مفاهيم أرضيَّة أخرى أو نظريَّات ابتدعناها على قياسنا لترضينا؟

في التاريخ قبل تجسُّد المسيح الإله وبعده ظهرت شخصيَّات ادَّعت الخلاص المسياني وكانت حركاتهم ثوريَّة لكنَّها انتهت بالقمع من الرومان ولم تأت بأيِّ نتيجة خلاصيَّة.

فقد ذكر مثلًا المؤرِّخ اليهوديُّ ​يوسيفوس فلافيوس​ الثورة المكابيَّة حوالي 167–160 ق.م بقيادة يهوذا المكابيِّ (الحشموني) ضدَّ الإمبراطوريَّة السلوقيَّة الَّتي كانت تحكم اليهوديَّة بعد تقسيم إمبراطوريَّة الإسكندر الأكبر. هو قاد ثورة مسلَّحة ضدَّهم ونجح في استعادة الهيكل في أورشليم وتطهيره من الوثنيَّة. دام حكم الحشمونيِّين حوالي 100 سنة، وتخلَّلته نزاعات داخليَّة ومنافسة على الحكم، وانتهى مع الاحتلال الرومانيِّ.

كذلك ​ثيوداس​ Theudas(44–46م) القائد اليهوديُّ الَّذي ادَّعى اكتساب قوى خارقة ونبويَّة ووعده بأنَّه سيفعل مثل موسى ويشقُّ نهر الأردنِّ. تبعه أناس كثيرون، وفي النهاية قضى عليه الرومان.

وهناك أيضًا رجل يهوديٌّ (52-58م) من أصل مصريٍّ عُرِفَ بالنبيِّ المصريِّ قاد أتباعه إلى جبل الزيتون واعدًا إيَّاهم بأنَّه سيُسقط أسوار أورشليم بمعجزة ليدخلوها منتصرين. فهاجمهم الرومان وقضوا عليهم أمَّا هو فقد هرب وفقد أثره.

أمام هؤلاء وغيرهم على مرِّ التاريخ السابق والحاليِّ وما سيأتي في المستقبل يبقى دخول يسوع فريدًا، وهو الملك الحقيقيُّ الوحيد الَّذي اجتمعت فيه أمور ثلاثة: فرش الثياب وحمل الأغصان والهتاف له «أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!» (متَّى 21: 9).

نجد أحداثًا سابقة متفرِّقة لكلٍّ من الأمور الثلاثة ولكن ليست مجتمعة . دخول الربِّ على جحش تحقيق لنبوءة زكريَّا (زك 9:9)، والهتاف كان مسيانيًّا، فعبارة ابن داود تشير إلى المسيح المنتظر من نسل داود . وكلمة «أوصنَّا» لم تكن تطلق لشخص بل فقط لله ورجاءً بالمسيح المنتظر وهي تعني خلِّصنا الآن، ونجدها في المزمور (118: 5-6): «آهِ يَا رَبُّ خَلِّصْ! آهِ يَا رَبُّ أَنْقِذْ!" و"الرَّبُّ هُوَ اللهُ وَقَدْ أَنَارَ لَنَا».

في الخلاصة، أتى يسوع إلى الصليب طوعًا وانتصر وأعطانا الغلبة إلى الأبد. هو طريقنا الخلاصيُّ الوحيد.

إلى الربِّ نطلب.