قد يبدو هذا العنوان اقرب الى مقال ديني-روحي منه الى مقال سياسي، ولكن الواقع انه مستوحى من صلب تصرفات وما يعتقد به كل من الشخصين المذكورين. من النادر ان نرى تجسيداً عملياً للصراع القائم بين النزعة البشرية والدعوة الإلهية. اميركيان يقفان على طرفي نقيض: الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ الذي يريد السيطرة على العالم بالقوة وبارتداء ثياب الحمل (حملته الانتخابية قامت على نبذ ​الحروب​ والتأكيد على الانتهاء منها وانه رجل ​السلام​ المنتظر)، والحبر الأعظم ​البابا لاوون الرابع عشر​ (ممثل القديس بطرس على الأرض ووارث رعاية المؤمنين ​الكاثوليك​ في العالم).

تعرض ترامب للبابا لاوون الذي لم يجد فعلياً من يدافع عنه من الزعماء والمسؤولين الزمنيين سوى قلة قليلة (للأسف غاب المسؤولون ال​لبنان​يون عن الوقوف الى جانب البابا ولو معنوياً، فيما اغرقوه بالمديح والكلمات حين فعل ما لم يفعله أي بابا سابق بعد ان خصّ لبنان بأول زيارة رسمية له بعد تنصيبه)، مستغلاً انه "الحاكم بأمره" وانه لا يجب معارضته، ولكنه لم يرهب رأس الكنيسة الكاثوليكية الذي اصرّ على اعلاء الصوت والحديث عن السلام ووقف الحروب وانتقاد من يقوم بها ويحصد الأرواح وكأنها ملك له.

بماذا ينادي ترامب ولماذا لا يعجبه البابا الحالي؟ يغدق الرئيس الاميركي على نفسه الكثير من الصفات ومنها انه "رجل سلام" ويريد "تخليص العالم من الأشرار" و"الطبيب الشافي" و"الملك الذي يصنّف الناس بين صالحين وسيئين" ولا ينقصه الا ان يضعهم على يمين ويسار عرشه... هذه الصفات كلها تنطبق على ​يسوع المسيح​، وبطريقة ما، أراد ترامب ان يجعل منها ثياباً على مقاسه لتلائمه... بالقوة.

في المقابل، لاحظ البابا لاوون الرابع عشر هذا المنحى غير السليم الذي يسير فيه مواطنه الأميركي، فقام بواجبه ووضع الأمور في نصابها، فأخذ يبشّر بالانجيل وبتعاليم الله، وأعاد كل الصفات التي سرقها الرئيس الأميركي، الى مصدرها الحقيقي أي يسوع المسيح الذي دعا الى التحضّر لملكوت الله وهو كان بالفعل: رجل سلام ومخلّص البشرية وملك على مملكته التي "ليست من هذا العالم" والتي يدين فيها الله الناس فيضعهم على يمينه ويساره، والطبيب الشافي للاجساد والنفوس على حد سواء، مع فارق أساسي وجوهري وهو انه قام ويقوم بكل هذه الأمور ليس بالقوة بل... بالمحبة.

اختار ترامب الطريقة الاسهل لتحويل أفكاره الى واقع، فلجأ الى الحروب ودعم تلك التي لم يقم بها لجعل الناس يسيرون خلفه بالترهيب، لذلك رأى في كلام الحبر الأعظم تهديداً صريحاً له ولطريقته، ويمكن تشبيه العلاقة بين الرجلين بتلك التي جمعت هيرودوس بيوحنا المعمدان، حيث كان الأخير يصرخ في وجه الأول لانه كان يقوم بأعمال بعيدة عن الله وعن المحبة.

يسير ترامب ومن معه (من نائبه ووزرائه وغالبية المسؤولين في ادارته) خلف رغبات و"سحر" رئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتنياهو​ (ولمن يشكك يمكنه قراءة المقال الوارد في صحيفة ​نيويورك تايمز​ الأميركية بعنوان "كيف اخذ ترامب الولايات المتحدة الى الحرب مع ايران")، بينما يسير البابا خلف تعاليم الله. ليس الهدف من هذا الكلام اعطاء البابا هالة من القداسة، بل الوقوف في وجه ادّعاءات الرئيس الأميركي (انضم اليه لاحقاً نائبه جاي دي فانس) الداعية الى عدم تدخله في الأمور السياسية. هذا حق يراد به باطل، فمع التسليم بأن الكثيرين يرون بوجوب عدم تدخل رجال الدين بالشؤون السياسية، فإن كل ما دعا اليه البابا في هذا الشأن كان السلام والابتعاد عن الحروب وانتقاد من يقوم بها، فأين ​السياسة​ في هذه الدعوات؟ وهل اخذ البابا طرفاً مع هذا ضد ذاك ام دعا الجميع الى نبذ العنف والحروب؟ وهل طالب بتغيير السياسة الداخلية لاميركا او دعا الكاثوليك الى دعم شخص دون الآخر؟

هذا ما يعيشه العالم من معضلة: ترامب يريد السيطرة على العالم بالترهيب والقوة وإعطاء نفسه لمحة دينية، والبابا ينادي لتصحيح المسار والتوعية من ان هذا المسار الذي يسلكه الرئيس الاميركي يبعده ومن معه عن ملكوت الله وعن الخلاص الابدي. ولكن، الى ان يعي ترامب ان وصول البابا الحالي الى منصبه (كما ادعى) ليس انتقاماً منه او للوقوف في وجهه سياسياً، فإن المسارين سيبقيان متوازيين ولن يلتقيا.