مع دخول الحرب الإسرائيلية المفتوحة على لبنان شهرها الثاني، يتقدّم مشهدان متوازيان يختصران واقع المرحلة.
الأول سياسي، يتسم بجمود واضح في المساعي الدبلوماسية والمبادرات الدولية الرامية إلى وقف الحرب، باستثناء بيانات حمّلت "حزب الله" مسؤولية اندلاعها. أما عربيًا، فبرز تحرّك مصري لم تكتمل معالمه بعد، في وقت بدا فيه لبنان متروكًا لمصيرٍ مفتوح على المجهول، وواقعًا تحت وطأة أطماع إسرائيلية لا تعرف حدودًا، ومرتبطًا بمآلات المواجهة الأميركية–الإسرائيلية مع إيران.
أما المشهد الثاني، فهو ميداني بامتياز، حيث تتسارع التطورات على الأرض بما يعكس تبدّلًا في الأهداف الإسرائيلية. فبعد أن كانت السقوف عالية وتتحدث عن احتلال جنوب الليطاني ونزع سلاح "حزب الله"، انخفضت إلى محاولة فرض منطقة عازلة بعمق 6 كيلومترات من الحدود الدولية. وفي هذا السياق، اعتمدت إسرائيل سياسة تدمير ممنهج للمنازل في القرى والبلدات الأمامية والمتاخمة للحدود، مستنسخة نموذج "بيت حانون" في غزة، والقائم على مبدأ "الأرض المحروقة"، بهدف فرض وقائع جديدة تُستخدم لاحقًا كورقة تفاوض.
مصادر جنوبية أكدت لـ"النشرة" أنّ هذا التراجع في الأهداف، إلى جانب التباين بين المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل، يعكس إخفاقًا في تنفيذ خطة التوغّل البري. وأشارت إلى أن التحوّل من إصدار إنذارات بالإخلاء في منطقتي جنوبي الليطاني والزهراني إلى قصف الجسور وقطع أوصال المناطق، يهدف إلى عزلها ومنع تحرّك عناصر "حزب الله" أو نقل الأسلحة.
وتُظهر الوقائع الميدانية، وفق المصادر، شراسة غير مسبوقة في الاشتباكات المباشرة على طول القرى الحدودية، من عيترون ومركبا وعيتا الشعب والعديسة، إلى مارون الراس والضهيرة والناقورة والبياضة، وسط كثافة نارية عالية والتحام مباشر، ما يعكس صعوبة أي تقدّم بري.
بين هذين المسارين، برزت صيدا كنموذج لاحتواء الصدمة الأولى للنزوح، رغم العبء الثقيل الذي فرضه تدفّق النازحين. فقد انتقلت المدينة من مرحلة "الاستجابة الطارئة" إلى "الإدارة المستدامة"، عبر تنظيم العمل داخل مراكز الإيواء، بالتوازي مع دعم العائلات المقيمة في المنازل.
وتم افتتاح مركزين إضافيين لاستيعاب النازحين في الساحات العامة وعلى الكورنيش البحري، ليرتفع عدد المراكز إلى 26 مركزًا تضم أكثر من 13,500 نازح ونازحة.
مصادر بلدية صيدا أوضحت لـ "النشرة"، أن الخطة الحالية تقوم على تعزيز التنسيق المباشر بين مدراء المراكز والجمعيات الأهلية وغرفة العمليات، بهدف معالجة المشكلات فور ظهورها، إلى جانب تطوير برامج الدعم النفسي والأنشطة التربوية للأطفال، وتشديد الرقابة الصحية والبيئية تفاديًا لأي تداعيات ناتجة عن الاكتظاظ.
كما يجري العمل على تقييم الأداء وتوزيع المهام بين إدارات المدارس والجمعيات والمتطوعين، مع رصد التحديات اللوجستية، خصوصًا في مجالات البنية التحتية والنظافة وتأمين الغذاء والرعاية الطبية، فضلًا عن تحسين إدارة البيانات لضمان دقة الإحصاءات وعدالة التوزيع وشفافية التقارير.
وأشار المسؤول الإعلامي للبلدية أحمد شعيب إلى أن القدرة الاستيعابية للمراكز تجاوزت طاقتها بنسبة 32.31%، ما يعكس حجم الضغط القائم. وبيّن أن تغطية الغذاء (وجبة واحدة يوميًا) بلغت 90.63%، وحليب وحفاضات الأطفال 83.15%، فيما وصلت تغطية اللوازم الأساسية إلى 73.27%.
غير أن التحدي الأكبر، بحسب شعيب، لا يزال يتمثل في نقص مواد النظافة، التي لم تتجاوز نسبة تغطيتها 34.95%، ما يستدعي تدخّلًا عاجلًا من الجهات الإغاثية لضمان الحد الأدنى من السلامة الصحية داخل المراكز.
دعم العائلات
بالتوازي، أطلقت خلية إدارة الكوارث والأزمات في صيدا برنامجًا خاصًا لدعم العائلات النازحة المقيمة في المنازل ضمن النطاق الإداري للمدينة، بإشراف عضو المجلس البلدي المهندس مصطفى البزري، وبالتعاون مع "مجلس الجنوب" وعدد من المؤسسات والجمعيات، منها مؤسسة الحريري ومؤسسة الدكتور نزيه البزري، إلى جانب متطوعين من الجامعة اللبنانية وكشافة لبنان المستقبل والصليب الأحمر وجمعيتي المواساة والمقاصد، وبمؤازرة شرطة البلدية.
ويجري تنفيذ عملية التوزيع وفق خطّة مرحلية مدروسة، تضمن الوصول إلى جميع المستحقين، حيث بلغ عدد العائلات المسجلة 2,728 أسرة، تضم 14,188 فردًا.
وأكد البزري أن البلدية اعتمدت نظامًا رقميًا متكاملًا (Online) لإدارة العملية، بما يضمن أعلى مستويات الشفافية، من دون أي إجراءات ورقية أو تشغيل غير متصل(Offline).
وتبدأ العملية عبر تسجيل إلكتروني، يليه تدقيق رقمي لتحديد الأولويات وفق الحاجة، ثم إرسال إشعارات للمستفيدين تتضمن رموزًا خاصة ومواعيد محددة وموزعة على مجموعات زمنية مختلفة، بهدف تفادي الازدحام وضمان حسن التنظيم.





















































