في القاموس العسكري الإسرائيلي، لطالما ارتبطت الحروب على لبنان بمفاهيم "الحسم" السريع أو "الاجتياح" البري الذي يهدف إلى احتلال الأرض لفرض السياسة. غير أنّ الجولة الحالية، بكل ما تحمله من عنف تدميري، بدأت تكشف عن تباين في الاستراتيجية، فإسرائيل لا تبدو ذاهبة نحو احتلال إداري كامل لكل الجنوب، كما أنّها لا تبدو في الوقت نفسه في وارد انسحاب يعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل حرب "طوفان الأقصى".
وبين لغة "الحسم" التي يروّج لها المستوى السياسي في تل أبيب، وواقع "الاستنزاف" الذي يواجهه المستوى العسكري على تخوم القرى الأمامية، بدأت ترتسم ملامح استراتيجية إسرائيلية جديدة تميل إلى صيغة وسط: لا احتلال كاملًا، ولا انسحابًا، بل جنوبًا معلّقًا بالنار. وقد عزّز هذا الاتجاه كلام وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي توعّد بتدمير "كل المنازل" القريبة من الحدود، وعدم السماح لمئات آلاف اللبنانيين بالعودة إلى ما دون الليطاني.
هكذا، يبدو أنّ الهدف الإسرائيلي المعلن لم يعد موحّدًا. فإسرائيل التي ترفع سقف الحرب سياسيًا، تذهب عمليًا إلى محاولة هندسة "واقع جغرافي" جديد أُطلق عليه في بعض الأروقة اسم "الخط الأصفر"، في استنساخ للمصطلح الذي راج في قطاع غزة، ويقوم في الحالة اللبنانية على تحويل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني إلى "منطقة عازلة بالنار"، وجعلها غير صالحة للحياة بعد تدمير المنازل والبيوت.
هي صيغة لا تقوم على التمركز الدائم للجنود خلف سواتر ترابية، بل على تحويل القرى والبلدات إلى مساحات غير قابلة للحياة، تُدار عبر الردع الناري المستمر والرقابة الجوية اللصيقة، ما يجعل الجنوب "جرحًا مفتوحًا" يمنع عودة السكان ويفرض واقعًا أمنيًا معلّقًا بانتظار تسويات دولية لا تبدو قريبة. فما الذي يعنيه "الخط الأصفر" عمليًا على مستوى المواجهة؟ وهل تنجح إسرائيل في فرضه على لبنان، كما فعلت سابقًا في قطاع غزة؟
"شعار الحسم" وحدود النار
في الخطاب السياسي الإسرائيلي، يظل الهدف المعلن من العدوان على لبنان أكبر من مجرد إبعاد خطر موضعي عن المستوطنات الشمالية. فعلى امتداد الأشهر الماضية، رُفع سقف الخطاب السياسي الإسرائيلي إلى حدود "إنهاء وجود حزب الله" عسكريًا وتأمين الشمال بشكل مطلق. لكن ما تنقله الصحافة عن النقاشات العسكرية الإسرائيلية يوحي بشيء مختلف، وكأنّ الواقع الميداني اصطدم بحقيقة أنّ تدمير القدرات العسكرية لحركة متجذّرة لا يمكن أن يتم عبر الضربات الجوية وحدها، وإنما يتطلّب غزوًا بريًا شاملًا.
لكنّ المؤسسة العسكرية لا تبدو متحمسة لاحتلال واسع حتى الليطاني بكل ما يجرّه من أكلاف بشرية وميدانية وسياسية قد لا تتحملها الجبهة الداخلية الإسرائيلية، بل تميل إلى نموذج "الخط الأصفر" الذي يحقق، من وجهة نظرها، قدرًا من الردع والسيطرة من دون التورط في إدارة شاملة للأرض والسكان. ومن هنا، بدأ التراجع التكتيكي نحو نموذج "إدارة النار"، حيث تصبح السيطرة على الأرض استخباراتية ونارية أكثر منها جسدية، وهو ما يفسر الاكتفاء بهدم القرى الحدودية بدل التمركز فيها.
بهذا المعنى، يمثّل "الخط الأصفر"، الذي يتمدد تحت ستار النيران الكثيفة، اعترافًا ضمنيًا بأنّ الدخول إلى العمق اللبناني حتى الليطاني لم يعد "نزهة" عسكرية كما كان يُروَّج، وهو بالتالي يعبّر عن هبوط عملي في سقف الحرب. فبدل الحسم الكامل، يصبح الهدف إدارة شريط حدودي بالنار. وبدل إنهاء الخطر جذريًا، يجري السعي إلى إبقائه تحت المراقبة والاستهداف ومنع عودته إلى جوار الحدود.
نتائج الاحتلال من دون كلفته
لذلك ربما، تلجأ إسرائيل اليوم إلى خيار "التعليق الناري"، من خلال تحويل كل ما هو جنوب الخط الأصفر إلى منطقة غير قابلة للسكن أو الحياة، تُدار عبر "الردع عن بُعد" ومنع العودة، في محاولة لفرض "ستاتيكو" أمني يجعل من الجنوب اللبناني رهينة دائمة بيد آلة الحرب، ويضع الدولة اللبنانية أمام معضلة سيادية لا ترحم.
ولعلّ المفارقة التي لا بد من تسجيلها هنا أنّ "الخط الأصفر" يبدو أقرب إلى محاولة لتحقيق نتائج الاحتلال من دون التورط في كلفته الكاملة، إذ إنّ هذا الخيار يوحي بأن إسرائيل، رغم تفوقها الجوي والناري، ليست واثقة من أنّ الاحتلال الكامل سيمنحها نهاية واضحة أو مستقرة. فالحروب السابقة في لبنان بيّنت أنّ السيطرة على الأرض ليست مسألة دخول عسكري فقط، بل مسألة قدرة على البقاء وتحمل الاستنزاف.
وتشير تقديرات استخباراتية إلى أنّ الجيش الإسرائيلي يخشى أن يحوّله الاحتلال المباشر إلى هدف سهل لعمليات الاستنزاف والكمائن، تمامًا كما حدث في تجارب 1982 و1996. ولذلك، يرى في "الخط الأصفر" مخرجًا مناسبًا مع الاحتفاظ بـ"مكاسب الأرض". فالهدف هو خلق بيئة طاردة للسكان عبر تدمير البنى التحتية والمنازل بشكل منهجي، بحيث يصبح ما دون الليطاني "شريطًا ميتًا" يصعب على مقاتلي الحزب العودة إليه واستخدامه كقاعدة انطلاق، من دون الحاجة إلى وجود جندي إسرائيلي واحد داخل القرى.
جنوب معلّق واستنزاف مفتوح
غير أنّ ما ترى فيه إسرائيل "جاذبية" لإبقاء الجنوب تحت القبضة، حتى من دون وجود بري شامل ومفتوح، قد يرى فيه لبنان النقيض تمامًا. فهذا النموذج الإسرائيلي يمثل، في القراءة اللبنانية، خطرًا وجوديًا يتجاوز البعد الأمني المباشر. فإسرائيل لا تدمر الحجر فحسب، بل تحاول "إعادة تعريف" الجغرافيا اللبنانية، وتفرض جنوبًا معلّقًا بين السلام والحرب، بما يؤكد أنّ المطلوب ليس مجرد ردع "حزب الله"، بل إعادة تعريف للجغرافيا اللبنانية نفسها.
ولعلّ أخطر ما في صيغة "الخط الأصفر" أنها تحاول تحويل التدمير إلى "لغة تفاوضية". فإسرائيل تراهن على أنّ منع العودة وإبقاء الجنوب معلّقًا سيؤدي، بمرور الوقت، إلى انفجار اجتماعي داخلي يضغط على القرار السياسي اللبناني. ومن هنا، يصبح المطلوب من بيروت ليس فقط ترتيبات أمنية، بل الخضوع لشروط تمس جوهر السيادة الوطنية مقابل "السماح" للناس بالعودة إلى ركام بيوتهم.
هذه المقايضة بالنار هي جوهر الاستراتيجية الحالية، حيث يُستبدل الاحتلال العسكري بـ"الاحتلال النفسي والمعيشي" لسكان المناطق الحدودية. لكن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها بذور فشلها، فالاستنزاف المفتوح لا يطال الجانب اللبناني وحده، بل يبقي الشمال الإسرائيلي في حالة تعطيل دائم، إذ إنّ المناطق "المطهّرة ناريًا" لا توفّر أمنًا للمستوطنين ما دام الطرف الآخر قادرًا على إطلاق الصواريخ من خلف "الخط الأصفر".
ومن زاوية أخرى، فإن مجرد اضطرار إسرائيل إلى تبني نموذج أقل من الحسم الكامل، يوحي أيضًا بأن الطرف المقابل لم ينهَر بالدرجة التي تسمح بفرض نهاية سريعة أو شاملة، علمًا أنّ بعض المعطيات تتحدث عن محاولة "حزب الله" إعادة ترميم أدائه الاستخباري والميداني بوسائل أكثر لامركزية وأقل اعتمادًا على التكنولوجيا، بما يفسر جزئيًا لماذا قد تميل إسرائيل إلى "إدارة" الخطر بالنار بدل الرهان على إنهائه دفعة واحدة.
في نهاية المطاف، يبقى "الخط الأصفر" تعبيرًا عن "أزمة قوة" تعاني منها إسرائيل؛ فهي قادرة على الهدم لكنها عاجزة عن البناء، وقادرة على التشريد لكنها عاجزة عن توفير الأمن لمستوطنيها. وبهروبها من الاحتلال الشامل نحو "إدارة النار"، تؤكد إسرائيل أنّ شعارات الحسم التي رُفعت في بداية الحرب كانت أكبر من قدرة الواقع على الاحتمال. ويبقى السؤال معلّقًا: إلى متى يمكن لهذه "الحدود النارية" أن تصمد قبل أن تنفجر مجددًا؟






















































