تكثر التساؤلات بين الناس عن امكان استخدام الولايات المتحدة الاميركية للسلاح النووي ضد ايران، واغفال اسرائيل في هذا السياق نابع من الاقتناع بأن مثل هذه الخطوة تحتاج الى موافقة اميركية وليست قراراً يمكن اتخاذه من قبل المسؤولين الاسرائيليين.هذه التساؤلات تضاعف المخاوف، وتحديداً عندما يكون صانع القرار شخصية مثيرة للجدل، تميل إلى الحدة في خطابها وتظهر حساسية عالية تجاه فكرة الخسارة على غرار شخصية الرئيس الاميركي دونالد ترامب المثيرة للجدل، الذي اثبت انه "غير تقليدي" ومتقلب، وهما صفتان تخيفان عندما يمتلك صلاحيات غير عادية،وبالاخص لناحية الاسلحة.
مع ذلك، فإن التركيز على شخصية الرئيس وحدها لا يكفي لفهم الصورة. فإمكان لجوء ترامب الى صلاحية تعود اليه باستخدام الاسلحة النووية دونه محطات قادرة على ايقافه في أي لحظة، فهناك منظومة كاملة من المؤسسات العسكرية والاستراتيجية التي يقع عليها تقييم أي خطوة وفق معايير دقيقة، وتأخذ في الاعتبار ليس فقط الهدف المباشر، بل ما قد يترتب عليه من تداعيات يصعب احتواؤها .صحيح ان الانتقال بين التهديد بالحل العسكري والحديث عن الدبلوماسية يخلق حالة من الغموض، لكنه ليس دائمًا علامة على نية فعلية للتصعيد، بل قد يكون جزءاً من أسلوب ضغط يهدف إلى تحسين شروط التفاوض أو ردع الخصم من دون الدخول في مواجهة مباشرة.
التجربة التاريخية الوحيدة لاستخدام السلاح النووي تعود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما استهدفت الولايات المتحدة مناطق يابانية (هيروشيما وناكازاكي). ولكن يجب التوقف عند امر مهم، وهو انه في ذلك الوقت، كانت واشنطن الوحيدة التي تمتلك هذا السلاح، ولم يكن هناك خطر من رد مماثل. أما اليوم، فالمشهد مختلف جذرياً لان عدة دول تمتلك ترسانات نووية، ما يجعل أي استخدام لهذا السلاح مخاطرة قد تفتح الباب أمام تصعيد لا يمكن حصره او ضبطه. من هنا نشأ توازن الردع، وهو ليس اتفاقاًمكتوباً بقدر ما هو إدراك مشترك بأن كلفة الاستخدام تتجاوز أي مكسب محتمل. هذا الإدراك هو الذي حافظ، طوال عقود، على بقاء السلاح النووي خارج ساحات القتال، رغم تعدد الحروب والأزمات.
الخطر الفعلي لا يكمن في قرار مفاجئ باستخدام السلاح النووي، بل في مسار تصاعدي تتراكم فيه الأخطاء: ضربة عسكرية كبيرة، رد فعل مبالغ فيه، قراءة خاطئة للنوايا... كلها عناصر يمكن أن تدفع الأطراف تدريجياً نحو حافة لم تكن تخطط للوصول إليها. في مثل هذه اللحظات، يصبح التحكم في مسار الأحداث أكثر صعوبة، وتزداد احتمالات الانزلاق، خصوصاً اذا ما فشلت الوسائل التقليدية في تحقيق الأهداف، أو عندما يشعر طرف ما بأن التهديد لم يعد قابلاً للاحتواء بالأساليب المعتادة. عندها فقط يبدأ التفكير بخيارات كانت حتى ذلك الحين مستبعدة.
غير أن السيناريو الأكثر خطورة لا يرتبط باستخدام السلاح النووي بحد ذاته، بل بنتائجه وتداعياته. كسر الحاجز النفسي والسياسي الذي منع استخدامه منذ عام 1945 قد يخلق سابقة خطيرة، تدفع قوى أخرى إلى إعادة النظر في حساباتها في عالم متعدد الأقطاب، حيث تمتلك أكثر من دولة هذا النوع من السلاح، فأي استخدام للنووي قد يشجع على تكراره في نزاعات أخرى، سواء في أوروبا أو شرق آسيا أو شبه الجزيرة الكورية. ما يمنع هذا السيناريو اليوم ليس حسن النوايا، بل توازن الرعب ذاته. الكلفة السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، وحتى التاريخية لأي قرار باستخدام السلاح النووي هائلة إلى درجة تجعل منه الخيار الأخير فعلًا، وليس مجرد تصعيد إضافي.
القلق مفهوم، وربما مبرر في ظل مشهد مضطرب ومتغير. لكن القراءة المتأنية تشير إلى أن العالم، رغم كل شيء، لا يزال محكوماًبمنظومة ردع قوية، تجعل من استخدام السلاح النووي خياراًبعيداً، حتى لو لم يكن مستحيلاً.






















































