على الرغم من وقوع العديد من القرى والبلدات في قبضة الاحتلال من جديد، وعلى الرغم من كل الصعوبات والضغوطات السياسية والأمنية، وعلى الرغم من كل الخسائر البشرية والمادية، وعلى الرغم من التهجير القسري والنزوح الإرادي، لا يزال "حزب الله" يتصرّف وكأنّ الأمور تحت السيطرة، وكأنّ الضوء لا بُدّ وأن يظهر في نهاية النفق الذي يمرّ فيه حاليًا، في ظلّ استغراب كبير من جانب خُصومه السياسيّين الذين يعتبرون أنّ كل يوم قتال إضافي يرفع من الفاتورة الباهظة التي يدفعها لبنان واللبنانيّون. فعلى ماذا يُعوّل "الحزب"؟
حتّى هذه اللحظة، لا يزال يُراهن على أنّ الصراع الأميركي-الإيراني، لا بُدّ وأن ينتهي باتفاق من شأنه أن يُؤمّن له مظلّة حماية إقليميّة، وأن يرفع عنه الهجمات الإسرائيلية التي تشتدّ حينًا وتتراجع حينًا آخر، بفعل الضُغوط الأميركية. وحتى لوّ انفجرت الأمور عسكريًا مُجدّدًا في المنطقة، وشهدنا جولة قتال جديدة بين الأميركيّين والإسرائيليّين من جهة، والإيرانيّين والقوى الحليفة لهم من جهة أخرى، فإنّ نهاية الحرب ستكون عبارة عن تسوية–لا محالة، بحسب تحليلات المُقرّبين من "الحزب". وهؤلاء على ثقة بأنّ عناوين إسقاط النظام الإيراني هي مُجرّد أحلام يقظة لن تتحقّق، وأنّ استفراد "حزب الله" غير ممكن طالما أنّ القيادة الإيرانية موجودة، وتُصرّ على أن يشمل أي اتفاق مع أميركا الساحة اللبنانيّة، كما تُكرّر دائمًا. والهدف يتمثّل بأن تشهد الأمور منحى مختلفًا، ما أن يتمّ توقيع اتفاق جديد بين واشنطن وطهران، لجهة العمل على إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقًا، قبل اندلاع الحرب الأخيرة في نهاية شباط على إيران وبداية آذار على لبنان. وتنصّ الخطة "ألف" أيضًا، على الاستيحاء بقُدرة الإيرانيّين على المناورة وكسب الوقت، والتهرّب من تنفيذ الشروط الأميركيّة المُتشدّدة، للقيام بالمثل في لبنان، لجهة إضاعة الوقت في انتظار تغيّر التوازنات الداخلية، ولجهة رفض تنفيذ أي مطلب من جانب السُلطة والحكومة الحاليتين، باعتبار أنّ هذه المطالب ستندثر مع مرور الوقت، وربما بعد التحرّك سياسيًا وشعبيًا لتغيير الحكومة الحالية أو الواقع السياسي برمّته، إن لم يكن في المستقبل القريب، ففي المُستقبل المتوسّط على أبعد تقدير.
وبحسب الدائرين في فلك "الحزب" أيضًا، فإنّه في حال فشل الخطة ألف المذكورة-لأي سبب كان، فإنّ الرهان هو على الخطة باء، حيث أنّه حتّى في حال فصل المسار الإقليمي عن المسار اللبناني بشكل كامل، بعكس رغبة إيران التي تضغط لتوفير الحماية لكل الجماعات المُسلّحة التي تدعمها من لبنان إلى اليمن مرورًا بغزّة والعراق، يُراهن "حزب الله" على أن تكون حرب الاستنزاف التي يخوضها ضُدّ قوّات الاحتلال الإسرائيلي كفيلة بتغيير الواقع الميداني، وبإرغام الجيش الإسرائيلي على مُطالبة القيادة السياسية في إسرائيل، بإيجاد مخرج سلمي يُنهي القتال في الجنوب. وفي انتظار أن تنجح القيادة الإيرانية في توفير مظلّة حماية كاملة لمقاتلي "الحزب"، يخوض هؤلاء قتالًا عسكريًا أقرب إلى "حرب العصابات" منه إلى "حرب جيش مُنظّم". وفي هذا السياق، يجري استنزاف منظومات الدفاع الإسرائيلية، وإبقاء حال التشنّج مُسيطرًا على المُستوطنات، من خلال وتيرة متقطّعة من عمليّات إطلاق الصواريخ والمُسيّرات، ولوّ بأعداد ضئيلة غير كافية لإلحاق أضرار فعلية بقدر ما هي مفيدة للتأثير معنويًا بشكل كبير. وعلى خط مواز، يعمل "الحزب" على استنزاف قوّات الاحتلال في الجنوب، من خلال عمليّات قتالية تكاد تكون شبه غير ظاهرة، حيث يتمّ إطلاق صاروخ مُضاد للدروع هنا، وتسيير مُحلّقة انقضاضية هناك، وتفجير عبوة ناسفة هنالك، في هجمات تنطلق من مخابئ سرّية وتهدف إلى إيقاع أكبر عدد ممكن من القتلى والجرحى إضافة إلى التأثير المعنوي. وباعتقاد "الحزب" أنّ الحفاظ على قدرته على استنزاف قوّات الاحتلال في الجنوب، بموازاة إبقاء شعور عدم الاستقرار سائدًا داخل المُستوطنات الإسرائيلية، كفيل بأن يؤمّن في النهاية طيّ صفحة الصراع العسكري بتسوية شبيهة باتفاق وقف الأعمال العدائية السابق، بشرط أن يمنع هذه المرّة الجانب الإسرائيلي من الاحتفاظ بحرية الحركة والعمل العسكري ضُدّه.
في المقابل، يرى خُصوم "الحزب" أنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لن تُسدل الستار عن الصراع الإقليمي القائم حاليًا، ما لم تُحقّق مكاسب مُعيّنة تُخولها الظهور بموقع الفائز في هذه الحرب، حتى لو اضطرّت لمعاودة القتال ولضرب القيادة الإيرانية مرّة أخرى. ويعتبر هؤلاء أنّ القيادة الإسرائيلية لن تترك بدورها الساحة اللبنانية من دون تبديل الواقع الميداني القائم حاليًا، لجهة إزالة التهديد الذي يُمثّله مقاتلو "حزب الله" على إسرائيل، مهما تطلّب ذلك من جهد ومن خسائر. وبحسب أصحاب هذه التحليلات، إنّ القرار المُتخذ من أعلى المراجع الأميركية بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، كبير إلى درجة أنّه لن يتأثّر بتفاصيل صغيرة لا تُقدّم ولا تؤخّر من واقع الصراع ككلّ، ولا تُبَدّل في النتائج النهائية التي سيتمّ التوصّل إليها في نهاية المطاف. ومن الواضح أنّ هذا القرار الإستراتيجي المهم لن يتأثّر باتهامات الجهات المعارضة في أميركا وإسرائيل التي تُروّج لفشل السياسات الأميركية والإسرائيلية المعتمدة في المنطقة حاليًا، انطلاقًا من تنافس انتخابي على السلطة وحملات إعلامية، وليس من قراءات فعليّة للمُخرجات الملموسة والمُحقّقة في الميدان.
في الخلاصة، الأكيد أنّ المقولة الغنيّة عن التعريف "إنّما الأعمال بالخواتيم" هي التي ستُحدّد في النهاية، أي من النظريّات سيتحقّق، وأي من الرهانات سيتحوّل إلى واقع قائم على الأرض. لكن المُشكلة أنه في الانتظار يدفع لبنان ثمنًا باهظًا على مختلف المستويات، بدءًا بأرواح شعبه وممتلكاته، وُصولًا إلى استقراره وحق اللبنانيين بالعيش الآمن والكريم.























































