على وقع ​الحرب الأميركية​-​الإسرائيلية​ على ​إيران​، التي تركت تداعيات كبرى على مستوى الشرق الأوسط والعالم، برز الدور ال​باكستان​ي الفاعل، حيث كانت إسلام آباد من أبرز القوى التي عملت على خط الوساطة، وصولاً إلى الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، من المفترض أن يكون مقدمة لمفاوضات حول تسوية شاملة.

في الماضي، لم تكن باكستان هي التي تلعب هذا الدور، تحديداً في الشرق الأوسط، حيث كان هناك جهات أخرى تتولى الوساطة بهدف إنهاء النزاعات والحروب، أبرزها ​قطر​ وعمان على سبيل المثال، لكن في الحرب الحالية برزت مجموعة من العوامل التي ساعدت إسلام آباد على إنجاز المهمة.

وسيط موثوق

في هذا السياق، من الممكن تصنيف باكستان على أنها وسيط موثوق من الجانبين الأميركي والإيراني، فهي تمتلك، تحديداً المؤسسة العسكرية فيها، علاقات تاريخية مميزة مع ​الولايات المتحدة​، ساهمت في التعاون في الكثير من الملفات، كما لديها، في الوقت نفسه، علاقات إيجابية مع إيران، تعود إلى أنها دولة مجاورة لا أطماع لها داخل حدودها، خصوصاً أن إسلام آباد تعتبر أن تهديدها الأساسي من ​الهند​.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل أي عامل رئيسي آخر، ساعد باكستان في أداء المهمة، على عكس باقي الوسطاء التقليديين، يكمن في أنها كانت خارج دائرة تداعيات الحرب، التي طالت معظم الدول الخليجية، إلى جانب تمتعها بعلاقة تحالفية مع ​الصين​، التي تملك قدرة على التأثير في الموقف الإيراني، ما يبرر التنسيق مع بكين في إطلاق المبادرة.

حلقة وصل مع الخليج

على صعيد متصل، عمدت باكستان إلى العديد من الخطوات الذكيّة، في سياق لعبها هذا الدور، أهمّها التنسيق مع العديد من الجهات الإقليميّة الفاعلة، حيث كانت، في الأيام الماضية، قد استضافت اجتماعاً رباعياً، ضمّ إلى جانبها السعودية ومصر و​تركيا​، أي أنها عمدت إلى توسيع دائرة القوى الداعمة لمبادرتها.

هنا، قد يكون من المفيد التذكير بالاتفاقية الدفاعية المشتركة التي كانت قد وقعت، في الأشهر الماضية، بين إسلام آباد والرياض، التي نُظر إليها على أنها تمثل تحولاً استراتيجياً على مستوى التوازنات في المنطقة، خصوصاً أنها تجمع بين دولة لديها قدرات ماليّة ضخمة وأخرى تمتلك السلاح النووي، حيث لا يمكن التغاضي عن أن هذه الاتفاقيّة، جاءت بعد التحدّيات التي فرضها العدوان الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة.

دور مستقبلي أكبر

من الناحية المبدئية، يفتح النجاح الباكستاني في الوصول إلى ​اتفاق وقف إطلاق النار​، بين واشنطن وطهران، الباب أمام طرح الكثير من الأسئلة حول احتمال أن تتولى إسلام آباد أدواراً أكبر على مستوى الشرق الأوسط، حيث البداية ستكون رعايتها المفاوضات التي يجب أن تقود إلى التسوية النهائية، خلال الفترة المحدّدة لاتفاق وقف إطلاق النار.

بالإضافة إلى ذلك، تملك إسلام آباد القدرة على لعب دور في قضيّة لا تقلّ أهمّية، هي إعادة ترتيب العلاقات بين طهران والدول الخليجية، التي كانت قد شهدت توترات كبيرة خلال الحرب، بسبب مبادرة إيران إلى استهداف أراضي تلك الدول، تحت عنوان وجود قواعد ومصالح أميركيّة ضمنها، ما يبرر حرص باكستان على وضع تلك الدول، لا سيما المملكة العربية السعوديّة، في أجواء المفاوضات.

قلق إسرائيلي

في المحصّلة، ما تقدّم لا ينبغي أن يلغي نقطة جوهريّة، تتمثّل في النظرة الإسرائيليّة غير الإيجابيّة لباكستان، خصوصاً أن ليس هناك من علاقات ثنائيّة بين الجانبين، لا بل إسلام آباد لم تعترف بتل أبيب، حتى الآن، بالرغم من العلاقة التحالفيّة التي تجمعها مع واشنطن.

في هذا الإطار، من الممكن الحديث عن نقطتين أساسيتين: الأولى خشية تل أبيب، التي عبر عنها العديد من المسؤولين في الفترة الماضية، من "تحالف سنّي"، يجمع السعودية وباكستان وتركيا، أمّا الثانية فهي العلاقة التحالفيّة التي تجمع إسرائيل مع عدوّ باكستان الرئيسي، أي الهند، التي كانت قد تعزّزت في الأشهر الماضية.