لم يعد استهداف منشآت الغاز والنفط في الخليج مجرد حدث أمني أو عسكري عابر، بل تحول إلى مؤشر على اضطراب عميق في قلب النظام الطاقوي العالمي. ففي منطقة تؤمّن جزءًا أساسيًا من إمدادات الطاقة للأسواق الدولية، يمكن لأيّ خلل في الإنتاج أو النقل أن يهزّ الاقتصاد العالمي ويعيد رسم موازين الطاقة والغذاء في العالم.

ما يجري اليوم قد يكون بداية أكبر أزمة طاقة منذ صدمة النفط عام 1973، لكن الفارق أن العالم هذه المرة أكثر ترابطًا وأكثر هشاشة في الوقت نفسه، فاضطراب إمدادات الغاز والنفط لا يهدد فقط أسواق الطاقة، بل يمتدّ أثره إلى الزراعة والصناعة وسلاسل الغذاء التي تعتمد بشكل مباشر على الطاقة والسماد والنقل.

أزمة غذاء عالمية

في هذا السياق، يشرح مدير الاخبار في "سي ان ان" الاقتصادية ​حسام سابا​ عبر "النشرة" أن "ما لا يقوله كثيرون بصراحة هو أنّ هذه الحرب هي أزمة غذاء بطيئة الاشتعال، ف​دول الخليج​ تُنتج نحو 45% من الكبريت العالمي، وهي مادة لا غنى عنها في صناعة الأسمدة. ​قطر​ وحدها تمرّر عبر هرمز الغاز الّذي يصنع جزءاً كبيراً من أمونيا العالم، التي تدخل في سماد اليوريا الذي يُغذي محاصيل الأرز والقمح والذرة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. المغرب يملك 70% من فوسفات العالم لكنه يستورد الأمونيا من الخليج لتحويله إلى سماد قابل للتصدير. وعندما تنقطع هذه السلسلة، يرتفع سعر كيس السماد، فيُحجم المزارع الصغير في كينيا أو بنغلاديش عن استخدامه، فتنخفض الغلّة، وترتفع أسعار الغذاء وهذه الأرقام تتحول إلى جوع حقيقي، خاصة لدى الدول الهشّة اقتصاديًّا والتي تعاني نقصا في الغذاء، وهنا نتحدث عن أزمة لن تُقرأ في تقارير النفط بل في تقارير الأمم المتحدة عن نقص الغذاء بعد 12 إلى 18 شهراً من الآن".

لا شكّ أن ما يحدث اليوم له تداعياته الاقتصاديّة، لكن هو بطريقة ما له وقعه السياسي ويتضمن اعادة رسم للتحالفات الاقتصادية الاستراتيجية. ويلفت سابا الى أنّ"​الطاقة الروسية​ تعود الى النقاش في أوروبا بشكل أو بآخر عبر مسارات غير مباشرة، وعبر وسطاء بعد سنوات من القطيعة، فالألمان الذين أغلقوا محطّاتهم النوويّة، واليونانيون والمجريون الذين لم يتخلوا أصلاً عن روابطهم مع موسكو، يجدون أنفسهم اليوم في موقع يمنحهم ورقة ضغط داخل ​الاتحاد الأوروبي​"، وهنا يرى سابا أن "القارة العجوز تعلّمت درساً قاسياً الا وهو أنه لا يمكنها فصل الجغرافيا عن الطاقة بجرّة قلم سياسية".

واضاف: "أما ​اليابان​ فقصتها مختلفة ولافتة، ف​طوكيو​ تعلم أنها تعتمد على الخليج لأكثر من 90% من نفطها ومع الضغط الحالي، بدأت تعيد النظر في محطّات الفحم التي كانت على وشك الإغلاق، وتُسرّع العودة إلى الطاقة النوويّة، وكأنها تقول بهدوء ان أمننا الطاقوي أهم من أهداف المناخ على المدى القصير"، مشيرا الى أنّ"​الصين​ هي الاستثناء اللافت للنظر، ف​بكين​ بنت على مدى عقد كامل شبكة علاقات متنوّعة المصادر مع روسيا و​إيران​ وكازاخستان وأفريقيا، وطوّرت أسطولاً من الناقلات خارج المنظومة الغربيّة".

"الخليج يجد نفسه في مفارقة محرجة". هذا ما أكّده حسام سابا، لافتا الى أن "النفط مرتفع والإيرادات نظرياً جيدة، لكن الشحن متوقّف عبر ​مضيق هرمز​، الإمارات والسعودية نجحتا باستخدام طرق الأنابيب التي حضّرتا لها مسبقا قبل سنوات، لكنها لا تستوعب كامل الإنتاج. قطر والكويت والعراق، هم الأكثر تأثرا. فالأخيرهو الحالة الأكثر إثارة للقلق اذ أنّ إنتاجه النفطي انهار من 3.3 مليون برميل إلى أقل من مليون، وقد أعلن القوة القاهرة في جميع حقوله".

التأثير على النفط

يشدد سابا على أننا "لن نستطيع حصر التأثير على دول الخليج بالأرقام قبل صدور البيانات الرسمية، ولكن لنأخذ على سبيل المثال الإمارات: صحيح أن صادراتها النفطية تراجعت من 2.75 مليون برميل يوميا بالمتوسط، إلى 1.9 مليون برميل يوميا بعد الحرب وهي تقوم بنقلهاعبر خط أنابيب إلى ميناء الفجيرة من دون المرور بمضيق هرمز، إلا أن العائد على برميل النفط ارتفع من نحو 70 دولارا قبل الحرب إلى أكثر من 110 دولارات حاليا، فمعادلة القياس صعبة. والأمر نفسه ينطبق على السعودية، ناهيك عن استعمال الطرق البرّية للاستيراد والتصدير ووجود موانئ للإمارات على خليج عمان وللسعودية على البحر الاحمر".

"أما الاقتصادات المستوردة للطاقة كالأردن ولبنان والمغرب ومصر، فهي في مواجهة صعبة". هنا يشير سابا الى أن "فاتورة الطاقة ترتفع، والتضخّم يقرع الأبواب"، لافتا الى أن "هذه الدول التي لا تزال تتعافى من سنوات صعبة، تجد نفسها أمام موجة ضغط جديدة لم تختر توقيتها، ولنأخذ لبنان على سبيل المثال، فهناك وجهان: الأول أن فرصة تصدير الكثير من السلع الزراعيّة إلى دول الخليج أصبحت أكبر، لكن سيطرة إسرائيل على جنوب نهر الليطاني يدمّر خمس القوّة الزراعيّة والحيوانيّة اللبنانيّة، وستكون المحصّلة بالتأكيد خسارة اقتصاديّة، لا سيما عند الأخذ بعين الاعتبار الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة".

أضرار بالغاز المسال

هنا تعود مصادر مطلعة لتتحدث عبر "النشرة" عن تكلفة الاضرار في المنشآت الحيويّة تحديدا قطاع الغاز. لافتة الى أن "الاضرار في قطر طالت معملين من اصل 16 لانتاج الغاز وهما يشكلان 17% من الانتاج القطري، وهناك مجمع جبشان أكبر وأضخم مجمع للغاز وينتج حوالي 60% في أبو ظبي توقف بالكامل موقتًا وهما من أكبر الضربات لقطاع الطاقة. اضافة الى ذلك هناك قصف المصافي مثل مصفاة الاحمدي في الكويت وأخرى في "رأس تنورة" ومصفاة "ينبع" حيث تلقت ضربة محدودة وبالامس ضربت مصفاة الجبيل بشرق السعودية".

"رغم ذلك فإنّ الضرر في ايران هو أكبر بكثير". هذا ما تؤكده المصادر، مشيرة الى أن "مصفاة طهران وهي أكبر مصفاة في العاصمة قد قُصِفت، كذلك تم ضرب مجمع للبتروكيماويات وهذا أمر مؤثّر، وكانت جزيرة خارك وحقل بارس للغاز تعرضا أيضًا للقصف"، لافتة الى أن "الاضرار كبيرة في الحقول المنتجة في ايران والخليج، ولكن يبدو وكأنه هناك تفاهم ضمني كان بين الولايات المتحدة وايران على تحييد النفط"، شارحة أن "هناك مستوى آخر من الضرر وهو الاقتصادي،فمبيعات النفط والبتروكيماويات انخفضت، وكشفت قطر عن تأثّر 17% من انتاجها وهي تحتاج الى خمس سنوات لاصلاح الاضرار".

ما يحدث في الخليج اليوم يتجاوز كونه أزمة في إنتاج النفط أو الغاز. إنه اختبار حقيقي لصلابة الاقتصاد العالمي وقدرته على التعامل مع صدمات الطاقة في عالم شديد الترابط. فبينما ترتفع الأسعار وتضطرب الأسواق، تبدأ الدول بإعادة التفكير في تحالفاتها الاقتصاديّة ومصادر طاقتها وأمنها الغذائي. وفي هذا السياق، قد لا تكون الأزمة الحاليّة مجرد صدمة موقّتة، بل بداية مرحلة جديدة يعاد فيها رسم خريطة الطاقة والاقتصاد في العالم.