عند انطلاق الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، قيل من البداية أنّها ستستغرق بين أربعة وستة أسابيع، وتنتهي بتدمير إيران وإضعاف ترسانتها وقدراتها الإنتاجية العسكرية بشكل كبير من دون إسقاط النظام، وهذا ما حصل حرفيًا! وقيل أيضًا أنّ "حزب الله" الذي دخل معركة إسناد إيران رابطًا مصيره بمصير "الحرس الثوري" قد لا يتمكّن من الاستفادة من حماية هذا الأخير في نهاية الحرب، على الرغم من الوعود الإيرانية في هذا المجال، الأمر الذي يعني عمليًا ترك لبنان وحده في ساحة القتال، وهذا أمر وارد للأسف الشديد! فهل فعلًا سقطت المظلّة الإيرانية عن "الحزب"؟
ما أن توقّفت الغارات على إيران، وارتاحت أسراب الطائرات الأميركية المُغيرة، تحوّلت أسراب الطائرات الإسرائيليّة من إيران إلى لبنان، مرتكبة عشرات المجازر الوحشيّة. وبعد أن توجّهت الأنظار إلى ما سيقوم به "حزب الله" إنتقامًا لمئات الضحايا، جاء الرد ضعيفًا ببضع صليات صاروخية على مستعمرات حُدودية، علمًا أنّ الدفاعات الإسرائيليّة تعترض القسم الأكبر من هذه الصواريخ وتفجّرها في الجوّ! وفي ظلّ عجز الدولة اللبنانية المُطلق، وغياب أي تدخّل من المُجتمع الدَولي غير بيانات الإدانة، وافتقاد "الحزب" للقدرة على الردع الجدّي وإيجاد توازن للرعب، اتجهت الأنظار إلى ما سيقوم به النظام الإيراني الذي كان قد ورّط "الحزب" في الحرب الإقليمية الضارية، واعدًا إيّاه بعدم تركه وحيدًا في المواجهة.
في الواقع، لا تريد إيران ترك "الحزب" وحيدًا عن سابق تصوّر وتصميم، فهو يُمثّل ورقة مهمّة في يدها، وتحرص طهران بالتالي أن تضيفها إلى الأوراق التفاوضية التي تحملها إلى جولات التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية، والتي هي مُتعدّدة، وأبرزها حرّية حركة ناقلات النفط والغاز في مضيق هرمز، ومخزون اليورانيوم المُخصّب، والبرنامج النووي، والبرنامج الصاروخي، إلخ. لكن وكما أنّ إيران راغبة بأن تتوقّف الحرب على "الحزب"، ليُحافظ على أكبر قدر ممكن من قُوّته، وليبقى بالتالي ورقة تفاوضيّة ثمينة، تضع إسرائيل كل ثقلها لفصل المواجهة مع "حزب الله" عن الملف الإيراني، وهي توظّف كل نفوذها لدى الإدارة الأميركية لتأمين الغطاء لذلك.
وبالتالي تُوجد حاليًا عمليّة شدّ حبال إقليمية-دولية حادة، بين سعي إسرائيل لفصل ملف "حزب الله" عن الملف الإيراني، ومُحاولة إيران لعدم حُصول ذلك. ولا حاجة للتذكير بأنّ الموقف الأميركي مُنحاز تمامًا للرأي الإسرائيلي، ويؤمّن التغطية التامة له، حيث أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "الضوء الأخضر" لمواصلة ضرب "الحزب"، مع ما يعنيه هذا الأمر من استمرار مَآسي لبنان ومُعاناة اللبنانيين. وبالتالي، ما لم تقم إيران باتخاذ موقف حازم، مثل العودة إلى قصف إسرائيل بالصواريخ الباليستية، أو مثل عدم إرسال وفدها المفاوض إلى الخارج، أو مثل إقفال مضيق هرمز كليًا وليس جزئيًا، فإنّ إسرائيل لن تتردّد في مواصلة حربها على "الحزب" وعلى لبنان واللبنانيّين، وأميركا لن تهتمّ بتهديدات وفقاعات إعلامية لا تُقدّم ولا تؤخّر.
وإذا كان صحيحًا أنّ لبنان الرسمي يرفض أن يُفاوض أحد باسمه، تحت عناوين رنّانة مثل سيادة الدولة واستقلال قرارها والقُدرة الذاتية على اتخاذ القرارات، فإنّ الأصحّ أنّ عدم قيام إيران بتأمين مظلّة ضاغطة لحماية "حزب الله"، وعدم قيامها بوضع ملفه على طاولة التفاوض مع أميركا، يعني عملانيًا تفرّد إسرائيل بالساحة اللبنانية بشكل كلّي، وانفلات عدوانها من أي ضوابط إنسانية أو موانع أخلاقية، بحيث يُمكن أن تتكرّر في لبنان المجازر التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي في قطاع غزّة، والتي أسفرت عن وقوع أكثر من 72000 قتيل وأكثر من 172000 جريح حتى تاريخه! وقد بات عَدّاد الضحايا على امتداد أجزاء جغرافية واسعة من المناطق اللبنانية، بما فيها العاصمة، يتسارع بوتيرة مرعبة حاليًا، في ظلّ إكتفاء العالم الحُرّ بإصدار بيانات إدانة لرفع العتب، وعجز من كان السبب في توريط لبنان، ومن يقف خلفه، عن إيجاد "توازن رعب" كفيل بوقف إسرائيل عند حدّها!
في الختام، المظلّة الإيرانية المَوعودة لحماية "الحزب" هي اليوم محط اختبار، ومصيرها مرتبط بالمفاوضات المرتقبة بين أميركا وإيران، لجهة احتمال انعقادها من عدمه، واحتمال نجاحها من عدمه. فهل تتمسّك إيران بقرار حماية "الحزب"، أم ستسقط هذه المظلّة، تحت وطأة تقديم المصلحة الإستراتيجية العليا لطهران، وبقاء النظام واستمراره، على سواهما من مصالح!




























