منذ تاريخ السابع من تشرين الأول من العام 2023، بدأ الحديث في المنطقة عن إعادة بناء النظام الإقليمي من جديد، لا سيما بعد أن بادرت إسرائيل إلى تحديد هدف رئيسي لها هو تغيير وجه الشرق الأوسط، الأمر الذي يتصاعد، في الوقت الراهن، بعد التداعيات التي أفرزتها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
حتى الآن، لا يمكن الحديث عن نظام إقليمي واضح المعالم، لا سيما أن الجميع يترقب مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران، التي قد تقود إلى اتفاق كبير بين الجانبين، غير أن الخلافات العميقة في المواقف قد تؤدي إلى عودة المواجهات العسكرية، خصوصاً أن تل أبيب تسعى بكل قوة إلى ذلك.
في هذا السياق، لا يمكن البحث في "شكل" ما يمكن أن يكون عليه النظام الذي قد يفرض نفسه في المنطقة، من دون التطرق إلى بعض المعادلات التي تبدلت في السنوات الماضية، أبرزها تراجع النفوذ الإيراني في العديد من الساحات، مقابل الاندفاعة الإسرائيلية المدعومة من قبل الولايات المتحدة، إلى جانب تطور العلاقة بين الدول الخليجية وتركيا، بالإضافة إلى تبدل جزئي في النظرة إلى طهران.
من وجهة نظر مصادر متابعة، هذا التبدل الجزئي في النظرة إلى إيران، من قبل بعض الدول الخليجية وتركيا، الذي بدأ بالظهور منذ ما قبل الحرب الحالية، يدفع بعض الأوساط المقربة من طهران إلى الرهان على تعاون أوسع في المرحلة المقبلة، الأمر الذي قد يكون منطقياً في بعض الجوانب، لكنه في أخرى يقترب من المستحيلات، خصوصاً عندما يتم التطرق إلى الأهداف التي من المحتمل أن تكون مشتركة.
بالنسبة إلى هذه المصادر، التبدل المذكور يعود بالدرجة الأولى إلى التراجع الملموس في النفوذ الإيراني، الذي كانت الدول الخليجية ترى أن الصراع معه بات هو الأولوية في السنوات الماضية، بالإضافة إلى التصاعد في النفوذ الإسرائيلي، الذي وصل إلى حد مهاجمة العاصمة القطرية الدوحة، بينما أنقرة ترى نفسها في تنافس مع تل أبيب، قد تكون الساحة السورية صورة مصغرة عنه، وبالتالي لم تعد طهران تمثل الخطر الأكبر، بل قد يكون هناك فائدة من التفاهم معها، من وجهة نظر بعض الدول الخليجية، لكن وفق معادلة جديدة لدورها في المنطقة.
هنا، من الضروري البحث في بعض المسلمات، من أجل تحديد حدود التعاون المحتمل، الذي يبقى مرتبطاً بمسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران المفتوحة على كافة الاحتمالات، خصوصاً أن السعي نحو التفاهم وبناء منظومة استقرار إقليمية، لا يمكن أن يتحول، بالنسبة إلى تركيا والدول الخليجية المعنية، إلى بوابة تعبر منها طهران لإعادة إحياء نفوذها، بالشكل الذي كان عليه في السنوات الماضية.
في هذا الإطار، توضح المصادر المتابعة أنه بالنسبة إلى تركيا، على الرغم من قلقها الواضح من تصاعد الاندفاعة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، لا يمكن تجاهل أنها تبقى عضواً أساسياً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي يلعب دوراً في تحديد سياساتها الأمنية العليا، وبالتالي السعي للحد من الطموح الإسرائيلي لا يعني رغبة أنقرة في الدخول بصدام عسكري مباشر مع تل أبيب، بالإضافة إلى العلاقة الشخصية والبراغماتية بين الرئيسين رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب، التي أنتجت وتنتج تفاهمات بالحد الأدنى، لا سيما في الساحة السورية.
كما تشير هذه المصادر إلى أن ما ينطبق على أنقرة، يتقاطع في جوانب كثيرة مع رؤية العواصم العربية الأساسية، وتحديداً الخليجية منها، بعد التحول الذي حصل على مستوى ترتيب الأولويات، ولا سيما بالنسبة إلى تصنيف الخطر الإيراني، على الرغم من تداعيات الهجمات التي شنّتها طهران خلال الحرب الراهنة، حيث باتت بعض الدول الخليجية ترى أن التراجع النسبي في النفوذ الإيراني، في الآونة الماضية، يفتح نافذة لتفاهمات مقبولة مع طهران، لكن دون أن يعني ذلك، في المقابل، التساهل مع الدور الذي يلعبه حلفائها في العديد من الساحات العربية.
في المحصلة، تشدد المصادر نفسها على أن حدود أي تعاون محتمل، ضمن نظام إقليمي جديد، لا تعني أن هذه الدول ستكون شريكة لطهران في أي أجندة معادية لإسرائيل بالمطلق، لا سيما أن معظم هذه الدول ترتبط بعلاقات تحالفية استراتيجية مع واشنطن، لا بل بعضها يمتلك اتفاقيات سلام وتطبيع مع إسرائيل، من دون تجاهل أن المظلة الدولية لهكذا نظام ستكون الولايات المتحدة نفسها، بينما دور سائر اللاعبين المحتملين لن يكون أكثر من تقديم ضمانات موضعية، تحمي استقرار الاتفاقيات بما يخدم مصالحهم الاقتصادية والجيوسياسية.
























































