بغضّ النظر عن الجدل القائم بشأن أبوة ​اتفاق وقف النار​ الذي بدأ في ​لبنان​ منتصف ليل الخميس–الجمعة، وبغضّ النظر عن الجهات التي صاغت نص هذا الاتفاق وتلك التي وافقت عليه، الأكيد أنّ بنوده الستة تحمل الكثير من الأفخاخ التي يمكن أن تُفجّره في أي وقت، وأن تعيد لبنان بالتالي إلى دوّامة العنف. ماذا في تفاصيل هذا الخطر؟

البند الأوّل تناول مسألة وقف الأعمال العدائية "لمدّة أوّلية تبلغ عشرة أيّام" إفساحًا في المجال أمام ​المفاوضات​، في حين تناول البند الثاني إمكان تمديد الفترة الأوّلية بشرط إحراز تقدّم في المفاوضات و"إذا أظهر لبنان بشكل فعّال قدرته على فرض سيادته". وبالتالي، إنّ تمديد وقف القتال مرتبط بمدى نجاح التحضيرات القائمة لعقد جولة تفاوض بين لبنان و​إسرائيل​، في ظلّ مخاوف من استغلال التهديد بعودة ​الحرب​، لفرض شروط صعبة على لبنان خلال المفاوضات تجعله غير قادر على تقبّلها، ما يعني عمليًا الفشل في تحقيق أي تقدّم فيها، ناهيك عن المخاطر الداخلية الناجمة من خيار التفاوض من أساسه في ظلّ معارضة "​حزب الله​" الحاسمة لهذا الخيار.

والبند الثالث ضمن الاتفاق هو الأخطر حيث جاء فيه "تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس في أي وقت، ضد الهجمات المخطط لها أو الوشيكة أو الجارية". والهدف من هذا البند منح إسرائيل حريّة حركة عسكرية في لبنان مُشابهة لتلك التي نالتها عقب اتفاق وقف الأعمال العدائية السابق الذي كان جرى توقيعه في 27 تشرين الثاني من العام 2024، علمًا أنّ الاتفاق السابق نصّ على أن "يحتفظ كلا الطرفين بحق الدفاع عن النفس في حال حدوث خروقات وشيكة أو جارية". بينما الاتفاق الحالي منح إسرائيل حصرًا هذا الحق. وفي كل الأحوال، إنّ "حزب الله" عازم هذه المرّة على عدم التغاضي عن أيّ عمليّات قتل قد تطال كوادره أو عن أي غارات قد تستهدف مواقع تابعة له، حتى لو أسفرت ردّات فعله على الخروقات الإسرائيلية إلى عودة الحرب.

ونصّ البند الرابع على أنّ "ستتخذ حكومة لبنان خطوات ملموسة لمنع حزب الله وجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية الأخرى داخل الأراضي اللبنانية من تنفيذ أي هجمات أو عمليات أو أنشطة عدائية ضد أهداف إسرائيلية"، في حين جاء البند الخامس مُكمّلا له حيث تضمّن أنّ القوات الأمنية اللبنانية تتحمل المسؤولية الحصرية عن سيادة لبنان والدفاع الوطني. ويضع كل من هذين البندين السلطة السياسية، والجيش اللبناني أمام ساعة الحقيقة، فإمّا استمرار محاولات تدوير الزوايا تجنّبًا لأي اهتزازات أمنية–سياسية داخلية خطيرة، وإمّا الشروع في تنفيذ القرارات الحكومية، مهما كلّف الأمر، وبغض النظر عن الارتدادات المنتظرة لمثل هكذا تحرّك. وتهديدات وزير الدفاع الإسرائيلي ​يسرائيل كاتس​ الأحد رفعت مستوى المخاوف من عودة الحرب.

أمّا البند السادس الذي جاء فيه أنّ إسرائيل ولبنان يطلبان من ​الولايات المتحدة الأميركية​ "تسهيل مزيد من المفاوضات المباشرة بين البلدين بهدف حل جميع القضايا العالقة، بما في ذلك ترسيم الحدود البرية الدولية، تمهيدًا للتوصل إلى اتفاق شامل يضمن ​الأمن والاستقرار​ والسلام الدائم بين البلدين"، فهو يحمل في طيّاته من جهة احتمال انتقال لبنان إلى وضع سلام يُبعد عنه وعن الشعب اللبناني دوّامة الحروب بشكل نهائي، ومن جهة أخرى احتمال أن يكون السبب وراء انفجار صراع داخلي واسع، وذلك بسبب الانقسام العمودي بين مؤيّدي فكرة انهاء النزاع مع إسرائيل والخروج من صراع المحاور الإقليمية وبالتالي استعادة لبنان أرضه واستقراره ورفاهيته، ومؤيّدي عقيدة قتال إسرائيل حتى زوالها من الوجود مهما كانت الارتدادات.

وانطلاقًا ممّا سبق، إنّ خطر عودة لبنان إلى الحرب، من عدمه، مرتبط باعتبارات عدّة تشمل مدى تمادي جيش الاحتلال الإسرائيلي في خروقاته، من تفجير للمنازل في البلدات والقرى الواقعة تحت سيطرته، ومن قصف مدفعي، ومن غارات وعمليات اغتيال، ومن تحليق للطيران، وحجم الرد الذي سيعتمده "حزب الله" إزاء هذه الخروقات، وكيفية تعامل الإسرائيليّين مع هذا الأمر. كما أنّ خطر عودة الحرب مُرتبط أيضًا بمدى التقدّم الذي يمكن أن تقود إليه مساعي المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، وبقدرة السلطة في لبنان على تطبيق ما هو مطلوب منها على صعيد السيطرة الأمنية الميدانية. أكثر من ذلك، خطر عودة الحرب مرتبط كذلك الأمر بطبيعة التسويات التي تُحاك لمنطقة ​الشرق الأوسط​ ككل، حيث أنّ الملفّ اللبناني مُتّصل-شئنا أم أبينا، بالملف الإيراني، وبالتالي إنّ أي تفاهم أو اتفاق مع إيران، أو أي تجدّد للقتال معها، لا يمكن إلا أن ينعكس على الساحة اللبنانية.

في الخلاصة، الوضع حاليًا دقيق جدًا، والمهل الزمنية تضيق، والاحتقان كبير. والساعات والأيام القليلة المُقبلة ستُحدّد الاتجاه الذي ستسلكه الأمور ليس في لبنان فحسب، بل في المنطقة ككلّ، فإمّا تنجح الجهود القائمة في التوصّل إلى تسويات مقبولة من مختلف الأفرقاء، في ضوء الجولة الجديدة من المفاوضات الأميركية–الإيرانية في إسلام آباد، وإمّا ستكون هناك حاجة لجولة جديدة من القتال لتتضح في نهايتها هوية الفريق الخاسر من الفريق الرابح، بشكل أكثر بروزًا ممّا هو عليه الوضع حاليًا.