مع كل جلسة تفاوض جديدة، ومع كل إعلان عن وقف للنار أو عن تمديد له، تكثر التساؤلات بشأن أسباب عدم توقّف الحرب واستمرار العمليات القتالية! فهل فعلًا ترغب إسرائيل بوقف النار في هذه المرحلة، وهل فعلًا يريد حزب الله" من جهته التوقف عن عمليّاته ضد قوّات الاحتلال؟
بالنسبة إلى إسرائيل، هي في هذه المرحلة تريد فعلًا وقف النار في لبنان، للتفرّغ من جديد للساحة الإيرانية، ولوقف استنزاف قوّاتها في الجنوب، علمًا أنّها تستفيد من نقاط قوّة، وهي قادرة بالتالي على رفع سقف مطالبها بفعل الأوراق الكثيرة التي باتت تملكها، من قرى وبلدات محتلّة، ومن أسرى، ومن ضغط على السلطة اللبنانية عبر مسألة منع النازحين من العودة إلى مناطقهم المُدمّرة، إلخ. لكنّ تل ابيب تشترط على أن يتزامن وقف النار، الذي من شأنه أن يريح جنودها من الهجمات التي تطالهم، مع منحها ما تُسمّيه "حرية الحركة"، أي القيام بغارات وهجمات وتوغلات عسكرية بحسب ما تراه مناسبًا وعندما تظنّ أنّ هذا الأمر مناسب. وأبرز أسباب تمسّكها بهذا الشرط، هي:
أوّلًا: أي وقف للنار من دون احتفاظ إسرائيل بحريّة الحركة، يعني تدفّق الأهالي بالآلاف إلى القرى والبلدات التي تحتلّها بحيث تُصبح واقعة تحت ضغط إخلائها، ما لم ترغب بتعرّض جنودها للمحاصرة. لذلك، هي تريد أن تتمكّن من إطلاق النار على أي شخص يقترب من مواقعها وعسكريّيها، وأن تكون قادرة على قصف أي طريق لقطعها، وعلى ضرب أي سيارة تعدّها خطرًا عليها.
ثانيًا: أي وقف للنار من دون احتفاظ إسرائيل بحريّة الحركة، يعني عودة "حزب الله" إلى ما يتقنه تمامًا من تحضيرات لجولات قتالية مُقبلة بكل سريّة. فمن المعروف أنّ "الحزب" تمكّن اعتبارًا من العام 2000 من بناء ترسانة عسكريّة وأمنية متكاملة تحت الأرض، وتمكّن مع كل قساوة خسائره في حرب عامي 2023 و2024 من الاحتفاظ بقدرات قتالية لا بأس بها في الخطوط الحدودية الأمامية، بحيث فاجأ بها الجيش الإسرائيلي في الحرب الدائرة منذ الثاني من آذار 2026 حتى تاريخه. وبالتالي، تريد إسرائيل الحدّ من قدراته في التحضير لجولات قتالية مقبلة، عبر الاحتفاظ بحرية الحركة، حتى في حال تطبيق وقف شامل للنار، حيث ستكون قادرة على استهداف أي موقع، وأي سيارة، وأي شخص... بحجّة الشبهة!
ثالثًا: تتطلّع إسرائيل من خلال التمسّك بحرية الحركة بموازاة أي وقف للنار، أن تبقى نسبة مرتفعة من الضغط على السُلطة اللبنانية، في محاولة لدفعها للعمل بسرعة على تنفيذ تعهّداتها بشأن حصرية السلاح، وألاّ تشعر بأنّ وقف النار تام والأمور على ما يُرام ويمكن المماطلة والتحرك بوتيرة بطيئة.
بالنسبة إلى "حزب الله" فهو بدوره يريد وقف النار، بهدف إلتقاط أنفاسه–إذا جاز التعبير، وتوفير أجواء آمنة تتيح للبيئة الحاضنة العودة إلى حياة شبه طبيعية، أقلّه في المناطق غير الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي. ومن شأن أي وقف فعلي وشامل للنار أن يمنحه فرصة التحضير للمرحلة المقبلة، وفي طليعتها تحضير الأرضية لإطلاق عمليّات هجومية مكثّفة في المستقبل، في حال فشل المفاوضات من إخراج الاحتلال الإسرائيلي. لكنّ "الحزب" يرفض تكرار تجربة "اتفاق وقف الأعمال العدائية" الذي أنهى مواجهة حرب "إسناد غزّة"، لأنه جعله يتلقى ضربات إسرائيلية موجعة على مدى 15 شهرًا متتاليًا من دون التمكّن من الرد. من هنا، إنّه يرفض أن تُمنح إسرائيل أي حريّة حركة، وعازم على الردّ بشكل فوري ومباشر على أي خرق للنار من جانبها، حتى لو أسفر ذلك عن استمرار الحرب.
وبالتالي، بما أنّ إسرائيل ترفض ألا تكون قادرة على التصرّف بحريّة حتى بعد تثبيت وقف النار، وبما أن "الحزب" مُصرّ على الردّ على أي اعتداء إسرائيلي يطاله، يدور الوضع في حلقة مفرغة، حيث لن يصمد أي وقف للنار بشكل نهائي وتام، إلا في حال واحدة، تتمثّل بأن يطلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصيًا من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ذلك. لكنّ كل المعطيات الحالية تدلّ على أنّ هذا الأمر غير وارد حاليًا، بل العكس هو الصحيح. فكل المؤشرات الراهنة تعكس تحضيرات أميركية-إسرائيلية متنامية للعودة إلى القتال مع إيران، في جولة عُنف جديدة تكسر مُحاولات طهران المُتكرّرة للمناورة وكسب الوقت. وفي حال اندلاع الحرب ضد إيران من جديد لن يكون لبنان بمنأى عن هذا التصعيد، حيث ستعود المعارك فيه لتحتدم مرّة أخرى.
في الختام، إنّ احتمال التقيّد بوقف النار بشكل كامل في لبنان مُستبعد للأسباب المَذكورة أعلاه، على الرغم من كل الجهود الممارسة لتحقيق هذا الهدف، حيث يُتوقّع أن تعود الأمور للإنفجار بفعل الخروقات الإسرئيلية المرتقبة، وردود فعل "الحزب" المُنتظرة عليها، حتى لو جرى تثبيت وقف النار لبعض الوقت. والأمور حتى هذه اللحظة، تدعو بشكل عام إلى التشاؤم وليس إلى التفاؤل، في انتظار حُصول تغيّر جذري يقلب المعطيات على رأسها، إن على المستوى التوازنات العسكرية أو على صعيد الخروقات السياسية.






















































