أشار رئيس الجمهورية العماد ​جوزاف عون​ إلى أنه "لأعوام طويلة، ارتبطت منطقتنا في أذهان العالم بالحروب والنزاعات وصور المعاناة، لكن هذه الصورة، على قساوتها، لا تختصر حقيقتنا. فهذه المنطقة كانت، عبر التاريخ، مساحة للتبادل التجاري والثقافي والتلاقي بين الشعوب، أما اليوم فالكلفة الحقيقية لما نعيشه لا تقاس فقط بحجم الدمار، بل بما نخسره من فرص للتكامل، ومن إمكانيات للنمو المشترك".

وخلال القائه كلمة ​لبنان​ في الاجتماع غير الرسمي لرؤساء دول وحكومات لاتحاد الأوروبي، بمشاركة قادة دول الجوار الجنوبي، الذي دعت اليه ​قبرص​ في سياق رئاستها للاتحاد، رأى أنه "لهذه مسؤوليتنا اليوم — كقادة — لا تقتصر على إدارة الأزمات، بل تمتد إلى تغيير هذا المسار، لنعيد تعريف ما تمثله هذه المنطقة، وننتقل من منطق الصراع إلى منطق الفرص، ومن الانقسام إلى التكامل، ومن إدارة الألم إلى صناعة الأمل"، مضيفاً: "ولعل لبنان يجسد هذا الواقع بكل تعقيداته وتحدياته، إذ يجد نفسه في خضم حرب لم يخترها، في وقت لم يكن قد تعافى فيه بعد من أزمات متراكمة، وما بدأ كمسار تعاف اقتصادي وإصلاحي، يتعرض اليوم لانتكاسة جديدة".

وأعلن أنه "في هذا السياق، اتخذت الحكومة اللبنانية على مدى الأشهر الماضية خطوات حاسمة لتعزيز سيادتها، أهمها ترسيخ مبدأ الحرب والسلم وحصرية السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية. وبالتوازي، انخرط لبنان في مسار تفاوضي دبلوماسي برعاية ​الولايات المتحدة الأميركية​، وبدعم من ​الاتحاد الأوروبي​ والدول العربية، بهدف التوصل إلى حل مستدام، يضع حدا للاعتداءات ال​إسرائيل​ية، ويؤدي إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل خلف الحدود المعترف بها دوليا، مما يتيح بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها"، مشدداً على أن "لبنان اليوم يرفض أن يكون ورقة تفاوض في الصراعات الإقليمية، فهو يفاوض باسمه، دفاعا عن مصالحه الوطنية وسيادته".

وأوضح أنه "بينما تستمر هذه الجهود الدبلوماسية، يبقى الوضع الإنساني على الأرض بالغ الخطورة. وقد أصدر أكثر من 1300 أمر إخلاء شمل 311 بلدة، وسجل أكثر من 6800 غارة جوية حتى الحادي عشر من نيسان. وقد أسفر ذلك عن أكثر من 10,000 إصابة، بين شهيد وجريح، بينهم نسبة كبيرة من النساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة"، مشيراً إلى أنه "في الوقت نفسه، تستمر إسرائيل في انتهاك القانون الدولي من خلال استهداف الطواقم الطبية والمستشفيات والمؤسسات التربوية والصحافيين ودور العبادة، إضافة إلى التدمير الممنهج للقرى والبنى التحتية المدنية، بهدف منع السكان من العودة إلى منازلهم. وقد تجاوز عدد النازحين مليون شخص، 13% منهم فقط في مراكز الإيواء، التي يتألف معظمها من مدارس وجامعات رسمية، مما يزيد الضغط على النظام التعليمي وعلى الدولة بشكل عام. إذ لا يزال لبنان يستضيف قرابة مليون نازح سوري فيما تتحمل المجتمعات المحلية العبء الأكبر"، مؤكداً أن "هذه ليست أزمة إنسانية تقليدية، هي أزمة وجودية بكل المقاييس، وتعكس هذه الوقائع الإنسانية حجم الدمار المتسارع".

ولفت إلى أنه "وفقاً لتقييم أولي للبنك الدولي، بلغت الأضرار في البنى التحتية والإسكان خلال شهر واحد فقط نحو 1.4 مليار دولار، دون احتساب التصعيد الكبير في 8 نيسان، حيث تعرض لبنان لأكثر من 100 غارة خلال أقل من عشر دقائق. وقد تم حتى الآن تدمير نحو 38,000 وحدة سكنية، فيما يتوقع أن أكثر من 150,000 شخص لن يكون لديهم منازل يعودون إليها بعد انتهاء الحرب. وتأتي هذه الأرقام المدوية لتضاف إلى كلفة الحرب السابقة التي قدرها البنك الدولي بحوالي 14 مليار دولار".

وأوضح أنه "اليوم، تحول النمو إلى انكماش، مع توقع تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 7.5%، وارتفاع التضخم إلى حوالي 15%، واستمرار تدهور المؤشرات الاجتماعية. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الضغوط، فإن لبنان يستجيب، والاستجابة تقودها الدولة، وهي منسقة بين مختلف المؤسسات، ومدعومة بأنظمة رقمية تضمن الشفافية. وفي هذا السياق، تزداد أهمية علاقة لبنان بأوروبا، ونود هنا أن نعرب عن تقديرنا للدعم السياسي المستمر الذي يقدمه الاتحاد الأوروبي والدول العربية الشقيقة لسيادة لبنان ووحدته واستقلاله، فضلا عن دعمه الإنساني المتواصل".

وشدد على أن " لبنان مجرد حالة إنسانية، بل هو على ارتباط مباشر بقضايا الاستقرار الإقليمي، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة، والتوازنات الجيوسياسية. وفي هذا الإطار، نرى مجالات واضحة لتعزيز التعاون"، مشيراً إلى أنه "في ظل ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات، أصبح استقرار منطقتنا عنصرا أساسيا في استقرار الأسواق العالمية، كما باتت حرية الملاحة وأمن الممرات البحرية ركيزتين للأمن الاقتصادي العالمي. وهنا، لبنان مستعد للمساهمة في تعزيز الترابط والمرونة في شرق المتوسط".

ولفت إلى أنه "على الصعيد الاقتصادي، تبرز فرص واعدة للتعاون، حيث يمكن للبنان، بموقعه الجغرافي ومرافئه وقربه من الأسواق الإقليمية، أن يشكل منصة للتجارة والخدمات اللوجستية وجهود إعادة الإعمار في لبنان والمنطقة، مدعوما بمنظومة من المؤسسات والكفاءات القادرة على دعم هذه الجهود بفعالية. وبالتوازي، يظل لبنان ملتزما بالإصلاح الاقتصادي وتعزيز شراكته مع الاتحاد الأوروبي، ونؤمن بأن هذه الشراكة يمكن أن تتجاوز المساعدات لتشمل الاستثمار والتعاون والمبادرات الاستراتيجية المشتركة".

ودعا الاتحاد الأوروبي إلى "عقد مؤتمر دولي مخصص لإعادة الإعمار والتعافي. وفي الوقت نفسه، نؤكد الحاجة إلى تعزيز التمويل الإنساني، في ظل تزايد الاحتياجات واستمرار محدودية الموارد، لا سيما لدعم المجتمعات المضيفة والخدمات الأساسية"، مؤكداً على "أهمية إعادة تفعيل مؤتمر دعم الجيش اللبناني الذي دعت إليه فرنسا مشكورة، باعتبار الجيش ضامنا للوحدة الوطنية وركيزة أساسية للاستقرار المحلي والإقليمي"، ومعرباً عن "تقديرنا لجميع الدول المشاركة في قوات اليونيفيل، ونحيي ذكرى من سقطوا في سبيل السلام، ونؤكد أيضا اهتمامنا بالحفاظ على حضور أوروبي في لبنان، بما في ذلك إمكانية إنشاء بعثة أوروبية بعد انتهاء ولاية اليونيفيل، لضمان استمرارية دعم الاستقرار والأمن".

كما شدد على "ضرورة العمل بالتنسيق مع السلطات السورية وبدعم من الشركاء الدوليين، على تكثيف الجهود التي تتيح العودة الآمنة والكريمة للنازحين السوريين، الذين يشكلون ضغطا كبيرا على البنى التحتية والخدمات والمجتمعات المضيفة. وفي ضوء تعافي سوريا واستقرارها، نرى فرصة حقيقية للتقدم في هذا المسار بشكل تدريجي ومنظم".

ولفت إلى أن "لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم"، مشيراً إلى أن "الخيارات التي سنتخذها معا في المرحلة المقبلة، لن تحدد مسار لبنان فحسب، بل ستؤثر على استقرار منطقتنا ومستقبل شعوبنا"، موضحاً أن "لبنان متل باقي دول المنطقة يعلق أهمية كبيرة وله مصلحة في خفض التصعيد وإحلال الاستقرار والسلام، إيمانا منه بأن الدبلوماسية، لا التصعيد، هي السبيل الوحيد للحل المستدام".

وأكد أنه "مع الدعم المناسب، يمكن للبنان أن يتجاوز إدارة الأزمة، وأن يلعب دورا بناء في التعافي الإقليمي والترابط الاقتصادي والاستقرار طويل الأمد"، لافتاً إلى أننا "نتطلع إلى شركائنا ليس فقط للدعم، بل لشراكة أعمق تقوم على المصالح المشتركة والمسؤولية المتبادلة".