مجيء حاملات الطيب باكرًا جدًّا يوم الأحد إلى القبر حيث كان جسد الربِّ ​يسوع المسيح​ الطاهر مضجعًا، له واقعه المهمُّ في أحداث القيامة. أمَّا مجيئهنَّ إلى التلاميذ وإخبارهنَّ لهم بملاقاتهنَّ بالربِّ القائم من بين الأموات فكان كالصاعقة على تلاميذ الربِّ، لا بل «تراءى كلامُهنَّ لهم كالهذيان ولم يصدِّقوهنَّ» (لوقا 24: 11). ويخبرنا مرقس الإنجيليُّ بأنَّ يسوع ظهر للتلاميذ ووبَّخ عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم لأنَّهم لم يصدِّقوا الَّذين أخبروهم بأنَّه قام (مرقس 15: 14).

هناك من يعتقد بأنَّ التلاميذ لم يصدِّقوا حاملات الطيب لمجرَّد أنَّهنَّ نسوة. هل هذا صحيح؟ مع العلم أنَّهم لم يصدِّقوا تلميذَي عمَّاوس اللذين ظهر لهما يسوع (لوقا 24: 13-34)، وكذلك يخبرنا متَّى الإنجيليُّ أنَّه عندما ظهر لهم يسوع بعضهم شكُّوا. (متَّى 28: 16-17).

ويُطرح السؤال: هل كانت شهادة النسوة مقبولة في البيئة اليهوديَّة؟

نقرأ أوَّلًا في العهد القديم أنَّ الشهادة المقبولة تقوم على فم شاهدين أو ثلاثة شهود دون تحديد الجنس إن كان ذكرًا أم أنثى (تثنية 19: 15). لكنَّ المجتمع اليهوديَّ في المقابل هو مجتمع ذكوريٌّ إن على الصعيد الأسريِّ أم على الصعيد القانونيِّ والاجتماعيِّ. ومع ذلك تذكر أسفار العهد القديم نساء لعبن دورًا مهمًّا مثل دبورا القاضية الَّتي كان لها مكانة رياديَّة روحيَّة وسياسيَّة. وهناك بمثابة نصٍّ شعريٍّ باسمها يعرف بنشيد دبورا (سفر القضاة 5). واسم دبورا عبريٌّ ويعني النحلة، ويشير إلى النشاط والاجتهاد والتنظيم والعمل الجماعيِّ، وارتبط مع الوقت بالحكمة والقيادة والشجاعة.

وهناك المرأة الحكيمة من تَقُوعَ (صموئيل الثاني 14) الَّتي استطاعت بحكمتها وحنكتها أن تقنع الملك داود بإعادة ابنه أبشالوم الَّذي تمرَّد عليه وكان منفيَّا.

ويوجد امرأة ثالثة تدعى خَلْدَةَ النَّبِيَّةِ (الأخبار الثاني 34: 22) زوجة شَلُّوم، حارس الثياب في الهيكل. هي فسَّرت «سفر الشريعة» الَّذي وجد في الهيكل أثناء الترميم بأنَّه يتضمَّن رسالة بأنَّ االله سيعاقب الشعب لأنَّهم تركوا وصاياه، وأنَّ الملك يوشيَّا سينجو لتواضعه وتوبته.

تسلَّح الحاخامات بأسباب تشريعيَّة لإقصاء النساء وتقليص دورهنَّ، فقالوا بما أنَّ النساء أعفين من وصايا يهوديَّة معيَّنة فهنَّ يسقطن من فئة الشهود لكون الشاهد يجب أن يكون ملتزمًا دينيًّا بشكل كامل دون أيِّ نقصان او إعفاء. إضافة إلى ذلك كانوا يعتبرون الرجال أكثر قدرة في المجال القانونيِّ ومجرياته وأنَّ الشهادة تحتاج إلى ثبات كبير تحت الضغط. بالمقابل تركوا للنساء دورًا محدودًا في قضايا عائليَّة.

الأمر ليس مختلفًا في الثقافة الرومانيَّة، وهنا تأتي الشهادة الأولى ب​قيامة الرب​ِّ من بين الأموات من النساء. فكأنَّ يسوع بذلك لم يحدث ثورة عندما كان حيًّا قبل صلبه فحسب، بل أيضًا بعد قيامته. أصلًا كان للنسوة دور مهمٌّ في حياة يسوع التبشيريَّة (لوقا 8: 1-3). ولا ننسَ طبعًا وقفتهنَّ في حادثة الصلب.

أمام ما سبق نجد أنَّ شهادة النسوة تدخل ضمن التدبير الإلهيِّ، فكون شهادتهنَّ تعتبر ضعيفة في مصداقيَّتها لا بل مشكوك بها، فكيف لتلاميذ يسوع أن يلجأوا إليهنَّ لإعلان قيامة الربِّ ويدوِّنوا ذلك في الأناجيل لو كانوا - لا سمح الله - سرقوا جسد الربِّ واختلقوا كذبة قيامته؟ بل لكانوا لجأوا إلى شهادة ذكوريَّة لا يشكُّ أحد بمصداقيَّتها. وعلى سبيل المثال نجد الفيلسوف اليوناني Celsus (ق 2م) يسخر من شهادة النسوة واضعًا إيَّاها في خانة الهستيريا العاطفيَّة، فيردُّ عليه أوريجنُس "Contra Celsum" بأنَّهنَّ لسن وحدهنَّ مَن رأين الربَّ قائمًا بل التلاميذ وأكثر من خمسمئة شخص[1].

نعم هذا هو تدبير الربِّ، هو دائمًا يقلب المقاييس، فهو ولد من فتاة صغيرة بتول في بيت لحم الصغيرة، ووضع في مذود البهائم، وأوَّل من شهد على ولادته كان الرعاة وليس النبلاء والأسياد بحسب العرف الاجتماعيِّ.

المرأة في حياة يسوع ورسالته لعبت دورًا أساسيًّا، ابتداءً من والدة الإله، والقدِّيسة مريم المجدليَّة الَّتي وقفت أمام الإمبراطور تعلن له قيامة الربِّ وسوء حكم بيلاطس، وتحوَّلت البيضة البيضاء في يدها إلى حمراء وهي تحاجج قيصر. واستمرَّت رسالة النساء كشمَّاسات في الكنيسة مع الموعوظين والمعمَّدين. ويكتب ​بولس الرسول​: «أوصي إليكم بأختنا فيبي، الَّتي هي خادمة الكنيسة الَّتي في كَنْخَرِيَا» (رومية 16: 1)، بالإضافة إلى الكنيسة في منزل بِرِيسْكِلاَّ وَأَكِيلاَ.

كذلك عرفت الكنيسة على مرِّ السنوات قدِّيسات وشهيدات عظيمات أمثال تقلا وبرباره وكاترينا وأوفيمية وماكرينا وغيرههنَّ كثيرات. وأيضًا القدِّيسات الإمبراطورات هيلينة والدة القدِّيس ​قسطنطين​ الَّتي قادت حملة اكتشاف الصليب المقدَّس في ​أورشليم​. والقدِّيسة الإمبراطورة إيريني الَّتي أنهت المرحلة الأولى من الحرب ضد الأيقونات وكان المجمع المسكونيُّ السابع في نيقية عام 787م الَّذي أقرَّ تكريم الأيقونات وما تمثِّله. والقدِّيسة الإمبراطورة ثيوذورة الَّتي أنهت المرحلة الثانية من اضطهاد الأيقونات عام 842م في الأحد الأوَّل من الصوم الَّذي كُرِّس لهذا الانتصار باسم أحد الأرثوذكسيَّة، وفيه نقيم زيَّاح الأيقونات تكريمًا وتذكارًا.

في الخلاصة، مشهد مجيء حاملات الطيب إلى القبر هو الأيقونات الأولى لقيامة الربِّ طيلة الألف الأوَّل قبل ما يعرف بأيقونة نزول الربِّ إلى الجحيم (القيامة).

وكما أنَّ القيامة هي ولادة جديدة للإنسان بقيامة الربِّ، كذلك هي المرأة الَّتي يولد الإنسان في رحمها، ولا ينحصر ذلك بالولادة البيولوجيَّة بل يشمل أيضًا الولادة الروحيَّة.

فمِن حوّاء الجديدة، «المرأة» والدةِ الإله، تحقّقت النبوءة الأولى[2] وجاء يسوع المسيح. وعلى طلبها حوَّل الربُّ الماءَ إلى خمرٍ في عرس ​قانا الجليل​، فكان ذلك صورةً استباقيةً للعرس على الصليب، حيث أصبحت والدةُ الإله أمًّا للبشرية جمعاء، لنسير معها نحو عرس الحمل الأبدي في الملكوت السماوي.

إلى الربِّ نطلب.

[1]. "وَبَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاقٍ إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا." (1 كوزنثوس 15: 6).

[2]. "وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ". (تكوين 3: 15)