على وقع الترقّب والانقسام السياسي الداخلي حيال ما ستؤول إليه مفاوضات السلام المباشرة بين ​لبنان​ و​إسرائيل​، ومع تمديد الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ "الهدنة" بينهما ثلاثة أسابيع إضافية، بعد هدنة أولى استمرّت عشرة أيام، تتسارع التطوّرات العسكرية في الجنوب في مفارقة لافتة: هدنة على الورق، وتصعيدٌ ممنهج على الأرض، يكشف عن مشهدين متوازيين.

المشهد الأول يتمثّل في اندفاع إسرائيل ضمن سباق محموم مع الزمن لتنفيذ خطّتها العسكرية، مستفيدةً من الهدنة والمهلة المتاحة قبل أي تسوية محتملة، بهدف إنشاء منطقة عازلة أمنيًا، سواء عبر الاحتلال المباشر أو السيطرة بالنار والغارات والقصف. وتسعى من خلال ذلك إلى فرض وقائع ميدانية جديدة، تُستخدم لاحقًا كورقة ضغط في المسار التفاوضي.

أما المشهد الثاني، فيتجلّى في قرار ​حزب الله​ الردّ على أي خرق لبنود الهدنة، وتكريس حقّه في الردّ، رفضًا لتكرار معادلة اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، التي تتيح لإسرائيل حرية الحركة تحت ذريعة "الدفاع عن النفس" من دون ردّ مقابل. وفي هذا السياق، ينفّذ الحزب ما يراه مناسبًا، عبر إطلاق الصواريخ نحو المستوطنات أحيانًا أو استخدام المسيّرات الانقضاضية، أو استهداف تجمعات الجنود الإسرائيليين في القرى والبلدات الجنوبية المحتلّة.

وتؤكّد مصادر جنوبية لـ"النشرة"، أنّ إسرائيل وافقت على الهدنة على مضض، من دون أن توقف عملياتها العسكرية، سواء عبر الغارات الجوية أو المسيّرات أو القصف المدفعي، في محاولة لتكريس بنود اتفاق تشرين الثاني 2024، وتحقيق أهدافها العسكرية جنوب ​نهر الليطاني​، التي عجزت عن بلوغها خلال الحرب.

وتتمحور هذه الأهداف حول أمرين رئيسيين:

أولًا: رسم حدود المنطقة الأمنية العازلة التي أطلقت عليها اسم "الخطّ الأصفر"، وتشمل نحو ستين بلدة وقرية جنوبية، من بينها بلدتين في البقاع الغربي هما عين قنيا وعين عطا. وقد مُنع سكان هذه المناطق من العودة إليها بالقوة، عبر فرض وجود عسكري إسرائيلي مباشر أو إخضاعها لسيطرة نارية تستهدف كل من يتحرّك فيها.

ويتراوح عمق هذا "الخطّ الأصفر" بين أربعة وعشرة كيلومترات، ممتدًا من منطقة البياضة الساحلية جنوب ​مدينة صور​، وصولًا إلى السفح الغربي ل​جبل الشيخ​، حيث يتقاطع مع مناطق السيطرة في ​هضبة الجولان​ السوري المحتل، عند مرتفعات قمة حرمون الغربية في جنوب شرقي لبنان.

ويرى مراقبون عسكريون عبر "النشرة"، أنّ إنشاء هذه المنطقة العازلة يعبّر عن توجّه إسرائيلي لاستنساخ نموذج غزة في قضم الأراضي واحتلالها، تحت ذرائع أمنية، بهدف ترسيخ واقع ميداني جديد يعكس نزعة توسّعية، ويُستخدم كورقة ضغط في أي مفاوضات مرتقبة مع لبنان برعاية ​الولايات المتحدة الأميركية​.

ثانيًا: استكمالًا لهذا المسار، تعمل إسرائيل على تجريف هذه المناطق، لا سيما في قرى الحافتين الأمامية الأولى والثانية، من خلال نسف القرى، وتفخيخ المنازل وتفجيرها، وتدمير البنى التحتية والمنشآت العامة والمقامات الدينية والمعالم التاريخية، في محاولة لطمس الهوية وتغيير المعالم، وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بما يخدم أهدافها التفاوضية.

ويوضح المراقبون، أنّ عمليات الهدم الممنهج والتفخيخ والتفجير والتجريف طالت مختلف مناحي الحياة، لا سيما في ​بلدات الخيام​ وبنت جبيل وميس الجبل، كما دُمّرت أحياء سكنية كاملة في بلدات مثل بيت ليف وشمع والبياضة والناقورة، إلى جانب إحراق منازل في دير سريان والطيبة والقنطرة، ولم تسلم حتى الأشجار والمزروعات من هذا التدمير.

وبذلك، يتجاوز ما يجري في الجنوب كونه خروقات متفرقة لوقف إطلاق النار، ليعكس استراتيجية مزدوجة تقوم على استخدام الهدنة كغطاء لإعادة تشكيل الميدان، وفي الوقت نفسه توظيف هذا الواقع كورقة تفاوضية. وبين هذين المسارين، تتحوّل الهدنة من أداة لخفض التصعيد إلى مساحة صراع مؤجّل، تُرسم فيها ملامح المرحلة المقبلة بالنار، قبل أن تُثبَّت على طاولة التفاوض.