للمرّة الأولى بلغ الأمر بين رئيس الجمهورية العماد ​جوزاف عون​ و"​حزب الله​" حدّ السجال العلني، وتوجيه الرسائل المتبادلة القاسية، في دلالة على وُجود مفهومين متناقضين في مقاربة الأحداث والحلول، يحظى كلّ منهما بدعم واسع في الشارع ال​لبنان​ي. ماذا عن هذين المفهومين، وما هي التوقّعات بالنسبة إلى المُستقبل القريب، في ظلّ ضُغوط الحرب المُتواصلة في لبنان، والعد العكسي المُستمرّ لعقد جلسات تفاوض مباشرة مع ​إسرائيل​؟

لا شكّ أنّ "حزب الله" يُمثّل أيديولوجيا رافضة لوجود إسرائيل من أساسها، وهو يُوظّف كل الإمكانات لمُحاربة الكيان الإسرائيلي، ولإفشال أي مُحاولات تقارب أو تطبيع أو حتى تفاوض معها. وهذه الأيديولوجيا التي عملت الثورة الإيرانية على تصديرها وتعميمها وترسيخها في الإقليم منذ ثمانينات القرن الماضي، لا تستبعد أي وسيلة للوُصول إلى هذه الأهداف، حتى لو أسفر ذلك عن معاناة الجهات المَعنيّة بمواجهة إسرائيل وبإسقاط مشروعات السلام معها، من حروب لا نهاية لها تتناقلها الأجيال، وحتى لو دفعت أثمانًا باهظة في الأرواح، وخسائرَ جسيمة في الماديات والاقتصاد والمال. والمُفارقة أنّ ​طهران​ التي كانت قد نجحت حتى الأمس القريب في أن تنأى بنفسها عن الارتدادات المُدمّرة لهذه السياسة، بحيث كان الخراب محصورًا على مدى أكثر من 45 سنة في لبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية المُحتلّة واليمن والعراق، صارت هي نفسها عرضة لتبعات هذه السياسة بعد أن قام الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ بتغيير المُعادلة برمّتها، ونقل الحرب إلى الأراضي الإيرانية نفسها، بذريعة خطر الملف النووي، علمًا أنّ الهدف الإستراتيجي الفعلي للحرب على إيران يتمثّل في نقل منطقة ​الشرق الأوسط​ ككلّ من مرحلة العداء والقتال مع إسرائيل، إلى مرحلة التطبيع والسلام، تمهيدًا لتوظيف أموال طائلة في المشروعات الاستثمارية المَنشودة.

يُذكر أنّ من شأن هذه العقيدة القتالية التي يتقيّد بها "حزب الله" الذي يُمثّل أداة مُتقدّمة بيد طهران من حيث المكانة والموقع الجغرافي، أن تقف حجر عثرة أمام أي عمليّة تفاوض بين لبنان وإسرائيل تهدف في مرحلة أولى إلى العودة إلى موجبات الهدنة ووقف الأعمال العدائيّة، تمهيدًا لفتح الباب أمام التقدّم نحو اتفاقات مفيدة للفريقين في مرحلة ثانية. وقُدرة "الحزب" على العرقلة غير قليلة على الإطلاق، وهي تبدأ بمواصلة القتال لإسقاط أي اتفاقات لوقف النار بحجّة إستمرار الاحتلال، ولا تنتهي عند تحضير العدّة وتهيئة الأجواء وشحن النفوس لتنفيذ حملات اعتراض واسعة النطاق على الساحة اللبنانية الداخليّة، على الصُعد السياسيّة والإعلاميّة والشعبيّة والميدانيّة، بغرض إفشال أي اتفاق دبلوماسي مُحتمل في واشنطن.

في المقابل، إنّ رئيس الجمهورية ينطلق من خلفيّة مُناقضة تمامًا لأيديولوجيا "حزب الله"، تتكوّن من شقّين، إحداهما العمل على تركيز أسُس الدولة التي تتمتّع بالسيادة وبالقانون وبالمساواة بين الجميع، عبر إستعادة القرار المُستقل بعيدًا عن صراع المحاور، والإمساك بقرار الحرب والسلم، والتمتّع بحقّ التفاوض وعقد الاتفاقات خارج منطق الفيتوات والمصالح الإقليمية والدَولية، وحصر السلاح على الأراضي اللبنانيّة كافة بيد الجيش اللبناني والقوى الشرعية وحدها. والشق الثاني من الخلفيّة التي ينطلق منها الرئيس عون تتمثّل في وضع مصلحة الشعب اللبناني فوق أي مصلحة أخرى، والعمل على حقن الدماء المُزمن بحقّ اللبنانيّين، ووقف دورة الحروب المفتوحة، وإنقاذ ما يُمكن إنقاذه من الحجر. وهذا المسار يستوجب إنهاء الحرب، وتأمين انسحاب قوّات الاحتلال الإسرائيلي، ووقف الإعتداءات والانتهاكات للسيادة اللبنانية، والإفراج عن الأسرى، وتأمين عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، وتهيئة الظروف للحصول على دعم مالي هو أكثر من لازم لإعادة الإعمار. لكنّ هذه المطالب اللبنانية غير قابلة للتحقّق ضِمن موازين القوى الحالية، ما يستوجب الإنخراط في جلسات تفاوض إلزامية، والتعويل على الرعاية الأميركية والغربيّة والعربية، لتحقيق النتائج المَرجوّة.

وهنا من الضروري الإشارة إلى أنّ قدرة الأغلبيّة الساحقة من اللبنانيّين على تحمّل تبعات الحروب بلغت الحد الأقصى، وهم يرغبون بالعيش بهدوء واستقرار. صحيح أنّ قسمًا من اللبنانيّين يُبادلون "حزب الله" العَداء، ويُحمّلونه مسؤولية الإغتيالات التي اجتاحت لبنان، بدءًا من اغتيال رئيس الحكومة السابق ​رفيق الحريري​ في العام 2005 وُصولًا إلى اغتيال الناشط السياسي ​لقمان سليم​ في العام 2021، والمسؤول في حزب "القوات" إلياس الحصروني في العام 2023، ويرغبون بالتالي بالانتقام منه، ولا يَهمّهم من يُحاربه، حتّى لو كانت جماعات إسلاميّة تكفيريّة أو الجيش الإسرائيلي، لكنّ الأصحّ أنّه يُوجد لبنانيّون كُثر يريدون فقط العيش بأمان وسلام، وتأمين مُستقبل زاهر لعائلاتهم وأولادهم. وهذه الفئة من اللبنانيّين بالتحديد تُعادي إسرائيل، وأنصارها غير محصورين بطائفة أو بمذهب، وهي لا تريد للبنان أن يُهرول وحده للتطبيع مع الإسرائيليّين من دون أي مقابل، لكنّها تأمل أن يعمّ السلام كامل منطقة الشرق الأوسط، من خلال اتفاقات جامعة وشاملة ومنصفة للجميع. فالهدف ليس التطبيع مع إسرائيل بقدر ما هو وضع لبنان على السكة الصحيحة للانتقال من دولة من العالم الثالث، إلى دولة مُتقدّمة ومزدهرة، الأولويّة فيها لرفاهية شعبها، وليس لمصالح الآخرين!

في الختام، لقد دفع لبنان أثمانًا باهظة من أجل حروب المنطقة، وحان الوقت للخروج من هذه الدوّامة، وإذا كان الطريق لتحقيق هذا الهدف يمرّ ب​المفاوضات​ المباشرة، فليكن! فالرئيس العماد جوزاف عون هو خير مؤتمن على حقوق لبنان وشعبه، ومن يُخوّنه غارق حتى أذنيه بالتبعيّة لجهات خارجيّة، ويُنفّذ أجندات هذه الجهات، ويُستَعمل كأداة للدفاع عن مصالح هذه الجهات، ولا يحقّ له بالتالي إلقاء المواعظ وتوزيع الشهادات بالوطنيّة!