منذ ٱرْتدادي إِلى الله ودخول المسيح إِلى حياتي كمخلِّصي وسَيِّدي بدأْت رحلةُ البَحثِ عَنهُ، كَبَحثِ الحبيب عن حبيبته، وتَوْقِ البحر إِلى الشَّاطئِ، والأَيِّل إِلى الماء، كما يقول المزمور. "أُريد أَن أَعرِف عنه كلَّ شيء، وكلَّ التفاصيل، وماذا قال عنه مُحبِّيه؟!" حينها بدأَ شَغَفِي بالقراءة يَتَجَدَّد بعد سُبات طويل. شَرعتُ أَقرأُ كلَّ شيء يمتُّ بِصِلة إِلى الحياة مع الله، والعيش بالرُّوح، وأَبطال الإِيمان أَي القدِّيسين. لكنَّ عُمقَ قراءاتي كانت الكتاب المقدَّس بِعَهدَيه. وكنتُ أَتوقَّف عند آيات وأَسطر وأَفكار تأْخذ منِّي كلَّ المأْخذ والعَقل. وتَمَلَّكَنِي توقٌ شديد لأَتشاركها مع إِخوتي وأَصدقائي المسيحيّين والمسلمين. لكنَّ الكُتُب لم تكن متوفِّرَة وقتها ولم تُرْوِ غليلي. وبعد فترة من دخولي إِلى الحياة الرُّهبانيَّة في دير المخِّلص، ومن ثَمَّ دير سَيِّدَة الإِنتقال للاِبتداء الرُّهبانيّ، إِرْتوى شغفي للقراءة،، بل لم أَعد قادرًا على مواكبَة القراءات المطلوبة مِنِي. ولكن ظَلَّتِ الكلمة تلمسُني وتحثُّنِي على المشاركة. وٱستمرَّ الأَمرُ كذلك في الإِكليريكيَّة الكبرى حيث ٱرْتفع التَّحدِّي: آباء الكنيسة، توما الأَكويني، كارل بارت، بندكتوس السَّادس عشر...
بعد رجوعي من خِدمتي في سوريا أَحسست بوجوب وضع هذه الأَفكار في إِطارٍ كِتابيٍّ مفيد. الغاية واضحة: البشارة، ولِيتمجَّد ٱسمُ يسوع المخلِّص. وهنا كانت البداية من كلمتين: فكرة اليوم. ببساطةٍ شديدة، ٱبتدأْتُ أَبعث بهذه "الفِكرة" إِلى أصدقائِي وبعض الأَباء والإِخوة عن طريق الواتس آب ومن ثَمَّ وضعتها على الفيس بوك بعد صراعٍ طويل مع ... نفسي. نعم مع نفسي، لأَنِّي لم أَكن من هُواة التَّكنولوجيا ولا العالم الرَّقمي وقتها. ولكن، للضَّرورة الجامعيَّة أَحكام، وضرورة مواكبة الشَّباب الرَّعَوِيَّة أَحكامٌ أُخرى.
ومع مرور الأَيَّام تراكمت هذه "الأَفكار" لتصبح ما يقارب 750 صفحة. عندها قرَّرت أَن أَطبع بعضها في كُتيِّب صغير، سهل الحَمْل والإِسْتعمال. عسى أَن يكون مصدر تفكيرٍ وتأَمُّل في تدبير الله الخلاصيِّ لكلِّ واحدٍ منَّا، بحسب موهبة الرُّوح القُدُّوس المُعْطاة لنا كلَّ يوم كهِبَةِ حياة، وكتعزية، ومصدر فرح، ورجاء. كلّ يوم فكرة جديدة ومختلفة. كل يوم زوَّادة روحيَّة تُشبع عطشنا اللِّيتورجيَّ واللَّاهوتيَّ والكِتابِيّ. كل يوم عطيَّة مُتجدِدَة، شرقيَّة، وغربيَّة، نابعة من القلب إِلى القلب والعقل والرُّوح. كل يوم شيء ما للتَّفكير والبحث والنَّقد، والنَّقد البناء خصوصًا، والإِنطلاق من وإِلى، للمراجعة وعسى أن يوخز الضَّمير والتَّصحيح والتَّنقية والتَّوبة والولادة الجديدة بالرُّوح الُقدُس.
هذا الجزء كتبته وأَنا في مصر، أَرض الخير والبركة والشَّعب الطَّيِّب والحضارة العريقة. يتمحور الكتاب حول تاريخ طائِفة الرُّوم الملكيِّين الكاثوليك في يوبيل ال 300 سنة على الشَّرِكة مع روما وسيرة الطوباويّ الأب بشارة أبو مراد. أَيضًا مقتطفات من كتاب "يسوع النَّاصريِّ" لقداسة البابا بندكتوس 16، قِصَص وحِكَم من كتاب بستان الرهبان وغيره من الكتب الَّتي تسنَّى لي قراءتها.
آمَل أَن يكون هذا الكُتيِّب بداية سلسلة تفيد القارئَ العاديّ والنَّهِم، البسيط والمُثقَّف، المُؤْمِن واللَّاهوتيَ، العلمانيّ والمُكَرَّس، الشَّابّ والنَّاضِج، القريب من الكنيسة والبعيد عنها، البيزنطيّ واللَّاتينيّ، كُلًّا بحسب موقعه وظَرفِهِ وٱحتياجِه. "فكرة اليوم" هي فكرة لكلِّ يوم للتَّفكير والبحث والنَّقد، والنَّقد الذَّاتيّ والعلميّ، للصَّلاة، للتَّأَمُّل، للإِسْتِنارة، للتَّجلِّي. هذا الكتاب محطَّات نُلقي فيها الضوء على بعض الكتب لمُؤَلِّفين معروفين وقِدِّيسين أَو على طريق القداسة لكي نَتَعلَّم منهم ويكونوا عِبرَةً لنَا. أُصلِّي أَن يكون الكتاب مصدر فرح وشغف للبحث والتَّدقيق، والأَهمّ أَن يحثَّ المجتمع على القراءة بدل تصفُّح مواقع التَّواصل الإِجتماعي دون غاية. وعسى أَن يُكمِلَ الرُّوح القُدُس ما نَقَصَ من عِلمِي وعَمَلَي. أَخيرًا، وليس آخِرًا بالتَّأْكيد، أَتمنَّى أَن يكون هذا الكتاب في خدمة الرُّهبانيَّة والكنيسة المقدَّسة، الواحدة، الكاثوليكيَّة.