إفتتحنا زمن البندكستاري –الخمسينيَّ– بأحد ​القيامة المجيدة​ أي ​أحد الفصح​ المجيد. كلمة «فصح Pesach» عبريَّة وتعني العبور. العبور من الموت إلى الحياة، ومن الظلمة إلى النور، ومن الحالة الترابيَّة الفانية إلى الحالة الملكوتيَّة الأبديَّة. هذا كلُّه ما كان ليتمَّ لو لم يتجسَّد الربُّ ويغلب الموت ويُقمنا معه.

أحد الفصح هو أحد ولادتنا الجديدة مع يسوع القائم، وهي بمثابة الخطوة الأولى في مسيرتنا نحو أحد جميع القدِّيسين الَّذي يلي أحد العنصرة، اليوم الخمسينيَّ من الفصح، ومنه أتت تسمية البندكستاري أي الخمسين باللغة اليونانيَّة.

الأحد الأوَّل بعد الفصح هو أحد ​توما الرسول​، وفيه نقرأ ما حصل مع توما الَّذي ما إن رأى يسوع القائم من بين الأموات ودعاه ليضع إصبعه في جنب الربِّ، حتَّى صرخ: «ربِّي وإلهي!» (يوحنَّا 20: 28). وهناك جداريَّة من القرن 13-14م في إيطاليا نشاهد فيها الربَّ ​يسوع المسيح​ ممسكًا بيد توما الرسول يشدُّها إلى جنبه المطعون.

توما يمثِّل كلَّ واحد منَّا في تفتيشنا عن الحقيقة الملموسة، وقد سبقه في ذلك موقف باقي الرسل الَّذين لم يصدِّقوا كلام حاملات الطيب لهم بأنَّ المسيح قام ووصفوا كلامهنَّ بالهذيان. الربُّ ينحني أمام ضعفنا، وكما أتى إلينا وتجسَّد، وصُلِبَ طوعًا، كذلك أتى ليظهر لتوما كي لا يبقى الأخير خارج الفرح القياميِّ.

مناداة توما ليسوع «ربِّي» هي في غاية الأهمِّيَّة، فكلمة «ربٌّ» هي كيريوس Κύριος - Kyrios، أي الكلمة اليونانيَّة لاسم الله في اللغة العبريَّة «​يهوه YHWH​ أي أنا هو/ أنا الكائن» الَّتي عرَّف فيها الله عن نفسه لموسى النبيِّ (خروج 3: 15). لم يكن اليهود يلفظون اسم «يهوه» بل استبدلوه بـ «​أدوناي Adonai​» ويعني حرفيًّا «ربِّي» ((adon) = lord / master و (ai) = my. هذا تمامًا ما قالته أليصابات لوالدة الإله: «فمن أين لي هذا أن تأتي أمُّ ربِّي (Κυρίου μου – Kyríou mou) إليَّ؟» (لوقا 1: 43).

وكان يوجد أيضًا الكلمة العبريَّة «​إلوهيم Elohim​» تطابقها وظيفيًّا ومعنويًّا داخل النصِّ الدينيِّ كلمةُ Theos - Θεός اليونانيَّة، وتشير إلى الله الخالق والكلِّيِّ القدرة. المهمُّ جدًّا أن نعرف بأنَّ Adonai و YHWHو Elohim هي تسميات ثلاث لإله واحد وليس لثلاثة آلهة. ومهمٌّ جدًّا أن نعرف بأنَّ يسوع يجمعهنَّ في شخصه.

ونذكِّر بأنَّ اسم يسوع – يشوع Yeshua هو عبريٌّ ومؤلَّف من «يهوه» الَّذي يعني الكائن – الله، وفعل «يشع» الَّذي يعني الخلاص. عودة لما قاله الله لموسى النبيِّ نجد أنَّه عرَّف عن نفسه قائلًا: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ» (خروج 3: 14) و«أَهْيَهِ» تعني «أكون» والترجمة اليونانيَّة هي Ἐγώ εἰμι ὁ ὤν - Egó eimi o ón أي أكون الذي أكون بمعنى انا الكائن. وأكمل الله بالآية التالية مباشرة بأنَّه «يَهْوَهْ» وهو الاسم الإلهيُّ بصيغة الغائب (الكائن). هذا كلُّه يعني أنَّ الله يُعرِّف عن نفسه بأنَّه الوجود الأزليُّ غير المحدود بالزمن.

هذا تمامًا ما قاله يسوع عن نفسه بأنَّه « يهوه - أنا هو/ أنا الكائن ἐγὼ εἰμί - egó eimí. »، مثلًا: «الحقَّ الحقَّ أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» (يوحنَّا 8: 58). أي يقول الله. لهذا نجد في الهالة خلف رأس يسوع في الأيقونة ὁ ὤν.

بعد أن غُصنا، ولو قليلًا، في عمق صرخة توما الرسول ننتقل إلى الأحد الثاني بعد الفصح، أحد حاملات الطيب، لندخل معهنَّ في عمق آخر. فقد أتين ليطيِّبن جسد يسوع فوجدنه قائمًا، وطيَّبَهُنَّ هو بنوره. فنتمنَّى أيضًا أن يمثِّلْننا. هنَّ ذهبن ولم يأبهن بشيء فوجدن الحجر مدحرجًا عن باب القبر والحرَّاس قد هربوا. فها هنَّ يدعوننا لأن نذهب إلى الربِّ غير آبهين بكلِّ العوائق.

مرقس الإنجيلي​ُّ يقول عنهنَّ: «فخرجن سريعًا وهربن من القبر، لأنَّ الرعدة والحيرة أخذَتاهنَّ. ولم يقلن لأحد شيئًا لأنَّهنَّ كنَّ خائفات» (مرقس ١٦: ٨). بينما متَّى الإنجيليُّ يقول: «فخرجَتا (مريم المجدليَّة و​مريم الأخرى​) سريعًا من القبر بخوف وفرح عظيم، راكضتَين لتُخبِرا تلاميذه» (متَّى 28: 8). هل من تناقُض هنا؟ إطلاقًا لا.

فخوفهنَّ آنيٌّ نتيجة قوَّة الحدث الَّذي يفوق المنطق البشريَّ. والخوف هنا ليس رعبًا وفزعًا بل مهابة وتخشُّع. كلمة «الحَيْرَة» باللغة اليونانيَّة - اللغة الأصليَّة للإنجيل – توضِّح كلَّ شيء. فهي «ἔκστασις – ekstasis» ومركَّبة من(ek) خارج و(stasis) وقوف / حالة، فيكون المعنى الكامل الخروج من الحالة الطبيعيَّة للإنسان – يخرج الإنسان من ذاته، ولا يستطيع أن يتفوَّه بكلمة، لكونه في الحالة الكبرى من الذهول. هذا تمامًا ما حصل مع حاملات الطيب قبل أن ينطلقن مسرعات ويبشِّرن الرسل بالقيامة.

مع ختام الآحاد الثلاثة نقول: المجد لقيامتك يا ربُّ، المجد لك.

إلى الربِّ نطلب.