تدخل المنطقة اليوم مرحلة معقدة وغامضة ضمن مسار الحرب المباشرة بين إيران والولايات المتحدة الاميركية لأنّ الطرفين يحاولان اختبار شكل التفاهم الممكن الوصول اليه بوساطة باكستانية او العودة للتصعيد.
ما يجري في البحر، وفي الممرات التجارية، وفي ملفات السفن وحرية الملاحة، هو جزء من عملية سياسية أمنية أوسع يحاول فيها كل طرف رسم حدود النفوذ الجديد في الإقليم، وتحديد من يملك حق إدارة الأمن البحري ومن يفرض قواعد المرور والتنسيق والردع.
حين أعلن الرئيس الاميركي دونالد ترامب عن "عملية تحرير وضمان مرور السفن" المحتجزة في البحر، بدا الأمر وكأنه محاولة لفتح مضيق هرمز بالقوة وسحب الورقة هذه من اليد الايرانية، لكنّ التوقيت، وطبيعة الرسائل، والتزامن مع التصريحات الإيرانية حول ضرورة التنسيق معها من قبل السفن التي تود العبور، يكشف أنّ المسألة أبعد من مجرد حماية سفن.
يبدو اننا أمام لحظة اختبار متبادل بين الطرفين، فواشنطن تريد أن تقول إنّها ما زالت صاحبة اليد العليا في البحار والممرات الاستراتيجية، وإيران تريد تثبيت أنّ أي ترتيبات أمنية في الخليج أو البحر الأحمر أو الممرات المرتبطة بهما لا يمكن أن تتم من دون الاعتراف بها شريكاً إلزامياً في المعادلة.
المشهد اليوم أشبه بعملية "جس نبض" متبادلة، حيث يحاول كل طرف الاقتراب من الخط الأحمر ويحاول الاّ يتجاوزه بالكامل، علما ان ذلك قد لا ينجح، فالأميركي يريد اختبار حدود الصبر الإيراني، والإيراني يريد اختبار استعداد واشنطن للاعتراف الضمني بالنفوذ الإيراني وامكانية استعادة جزء من الثقة للوصول الى اطار اتفاق. ولذلك تبدو التحركات متناقضة ظاهرياً، حيث هناك تصعيد إعلامي، رسائل عسكرية، رفع جهوزية، عمليات بحرية، لكن بالتوازي مع إبقاء خطوط التواصل مفتوحة عبر باكستان حتى لحظة كتابة هذا المقال.
يمكن دعم هذه القراءة من خلال التعامل الاميركي مع السفينة "توسكا"، بعد ان تحولت عملياً إلى نموذج مصغر للصراع على قواعد الاشتباك الجديدة، وهي اليوم تشهد حلا من خلال الافراج عن البحارة ليعودوا الى ايران.
يريد الأميركي القول إنّ المرور البحري لا يحتاج إذناً من أحد، والإيراني يرد بأنّ أمن المنطقة لا يُفرض بالقوة من الخارج بل عبر التفاهم مع القوى الموجودة على الأرض وفي البحر وهو الاصل فيه، واللافت أنّ الطرفين يتصرفان وكأنّهما يريدان اختبار صدقية بعضهما فيما يطالبان، وبحسب النتائج يبنى على ما هو قادم سواء استمرار التقدم والتفاوض او التصعيد.
هناك ما يشبه "الهدنة القاسية" بين ايران واميركا، وهي لا تقوم على الثقة بل على توازن الخوف والمصالح، فواشنطن تعرف أنّ أي تجدد لحرب واسعة مع طهران ستفجّر المنطقة كلها من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر، وإيران تدرك أنّ تجدد الحرب قد يفتح الباب أمام استنزاف اقتصادي وأمني هائل، لكن المشكلة أنّ هذه التفاهمات تبقى دائماً معرضة للاهتزاز بسبب غياب الثقة، واحتمال الصدام قائما رغم الكلفة.
من هنا يمكن فهم السلوك الإيراني، حيث ترفع الجمهورية الاسلامية سقفها السياسي والعسكري، لكنها تتجنب رفض التفاوض وتقديم المقترحات، فهل تتقدم المفاوضات ام تتعثر، وكيف سيكون شكل الدور الإسرائيلي في هذا المجال؟.























































