أشار وزير الاعلام بول مرقص إلى أن "للإعلام قوّة بانية، ويمكن ان يكون له أيضا قوة هادمة"، معتبراً أن "الكلمة إما أن تكون ملكَة تتوّج الفكر والعقل والقلب، وإما أن تكون لكمة تهد صروح العلاقات الإنسانية وتخرّب كل شيء".
وخلال مؤتمر صحافي في المركز الكاثوليكي للإعلام حول رسالة قداسة البابا لاوون الرابع عشر لمناسبة اليوم العالمي -60- لوسائل الاعلام، قال: "أساسُ الكلمة، المحبة، لأنها نابعة من القلب. أوَلَم يسأل يسوع تلميذَه بطرس: أَتحبُّني؟ ثم سلمه الرعاية. إنه مفعول المحبة التي تحوّل الكلمة من سلاح إلى سلام. فأيّ نفع للكلمة إذا لم تولد من المحبة وتولِّدَ السلام؟ المحبة للكلمة كالرحمة للعدالة، إذا انتُزعت منها تصبح لعنة".
ولفت إلى أنه "في اليوم العالمي لوسائل الإعلام، تَحْضُرُنا وصايا قداسة البابا الراحل فرنسيس في رسالته الأخيرة قبل انتقاله إلى بيت الآب، فنستَلهِمُ جوهرَها لعله يضيء لنا الطريق بكلماته المفاتيح: الرجاء واليوبيل، نزعٌ للسلاح الحقيقي، سلاح الحقد من القلوب، وضرورة أن يكون السلام "أعزلَ" من العنف"، مضيفاً: "لعلّ النقاط الآنفة الذكر تصلح خريطةَ طريق يسترشد بها إعلامُنا، فتكون لنا دواء من كل داء: داء الكراهية، والتعصب، والتوتر، والنعرات الطائفية، والشحن".
ورأى أن ""كل ما يحتاج إليه الإعلام موجود في ما أشار اليه قداسة البابا، كأني به يصف الترياق لوسائل التواصل الاجتماعي اليوم وفي كل حين"، مشيراً إلى أن "بعض ما نشهده اليوم على صفحات التواصل الاجتماعي ليس حرية، بل تحرر من القيم وتفلّت من الأصول. فالحرية قيمة ومسؤولية، تماما كالمعرفة، تنقلب عبئا علينا ما لم نُحْسِن استخدامها".
وأضاف: "صحيح أن لبنان تطور ضمن "مؤشر حرية الصحافة العالمي" من المرتبة 140 الى المرتبة 115 منذ بداية عهد الرئيس العماد جوزاف عون، لكن هذا وحده ليس كافيا ما لم يُحسِن إعلامُنا استخدامَ الحرية وترشيدَها وعقلنتَها لخدمة قضايا المجتمع والوطن"، داعياً "كل من يتولى شأن الكلمة في لبنان، سواء في وسائل التواصل الاجتماعي أو أي وسيلة أخرى، إلى تغليب لغة العقل وإعمال خطاب الحكمة بدل الكراهية"، مشيراً إلى أنه "نحن في زمن حرب، ولا ننسى أن الحرب أولها كلام، فكفى بنا حروبا كلامية، وليكن كلامنا كالروح الذي يحيي، لا كالحرف الذي يقتل".
واعتبر أن "التحدي الأكبر أمام وسائل التواصل الاجتماعي خصوصا والإعلام عموما، هو أن نفكّر قبل أن نكتب، ونقرأ قبل أن نحكم، ونتحقق قبل أن نجزم. وكم من مرة أعدنا القراءة وراجعنا الحساب فأدركنا أننا تسرعنا؟ لكلٍّ منا أن يعبّر عن آرائه، والفضاء الإعلامي يسع الجميع، لكن طريقة القول خيرٌ مما يُقال، والاحترام واجب في كل حين لئلا يتحول الرأي والرأي المعاكس إلى مادة تلهب الوطن وتسمم أجواءه".
من جانبه، تحدث رئيس المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ، فإعتبر "ان الحكمة يجب ان تسود في كل وسائل الإعلام في هذه المرحلة"، مشددا على "ضرورة ان يلعب القضاء دوره بشكل كامل لضبط مواقع التواصل الاجتماعي التي لا سقف لها".
وكان مدير المركز الكاثوليكي للإعلام المونسنيور عبده ابو كسم قد أثنى، في بداية المؤتمر، على "أهمية رسالة البابا في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان" ، مطالبا بـ"ضرورة ان يسود الوعي والحكمة بين الاعلام من مختلف اتجاهات للحفاظ على المساحة المطلوبة من الحواربين اللبنانيين".
بدوره، أشار رئيس اللجنة الاسقفية لوسائل الاعلام المطران منير خيرالله إلى أن "البابا يقول علينا مسؤولية وواجب أن نحمي أنفسنا من التكنولوجيا الرقمية، لأنها تهدّد بتغيير بعض ركائز الحضارة الإنسانية الأساسية بشكل جذري. فالانظمة المعروفة باسم الذكاء الاصطناعي لا تتدخل فقط في نظم المعلومات البيئية، بل تغزو أيضًا أعمق مستوى من التواصل، وهو العلاقة بين البشر. لذا فان التحدّي ليس تقنيًا بل أنتروبولوجيًا. والحفاظ على الوجوه والأصوات يعني في نهاية المطاف المحافظة على أنفسنا".
وأوضح أنه "للوصول إلى هذا الهدف، يطرح البابا ثلاثة مواقف: أولاً، أن لا نتخلّى عن قناعاتنا، حيث أن وسائل التواصل الاجتماعي تحاول أن تجذب الناس إلى زيادة التفاعل مع المعلومات التي تقدّمها من دون بذل الجهد لفهمها والتفكير فيها. وهذا يضعف القدرة على الإصغاء والتفكير النقدي ويسهّل لكل شخص أن يعتمد على الذكاء الاصطناعي، لذا فانه من واجبنا أن نقوم باستخدام حكيم لأدوات قديرة وُضعت في خدمتنا فننمو في الإنسانية والمعرفة ونستثمر المواهب التي نلناها بالروح القدس في علاقتنا مع الله ومع الآخرين. فلا يمكن أن نخفي وجهنا وأن نُسكت صوتنا".
وأضاف: "ثانيًا، قبول الآخر هو أساس كل علاقة وصداقة، لأن الذكاء الاصطناعي وربوتات الدردشة (chatbot) تُظهر فعاليتها المدهشة في الاقناع الخفيّ وتخدع الناس، لا سيما الأشخاص الضعفاء، بقدرتها على تقليد المشاعر الإنسانية وهذه القدرة على تمويه الحقيقة تبلغ حدًّا يجعل الذكاء الاصطناعي قادرًا على أن يخدعنا بتصنيع وقائع موازية، والاستيلاء على وجوهنا وأصواتنا"، وأوضح أن "هذه التكنولوجيا يمكن أن تخلّف آثارًا مؤلمة على مصائر الأفراد وتلحق ضررًا بالنسيج الاجتماعي والثقافي والسياسي للمجتمعات وتفضي إلى تنامي مشاعر عدم الثقة والضياع وانعدام الأمان. وبذلك نكون قد سمحنا بأن تُسلب منا فرصة اللقاء مع الآخر الذي هو دائمًا مختلف عنا فمن دون قبول الآخر لا يمكن أن تكون هناك علاقة ولا صداقة".
ولفت إلى أن "ثالثًا، جعل التكنولوجيا الرقمية حليفةً لنا"، مشيراً إلى أن "هذه القوة الخفّية، يقول البابا، التي تمثّلها التكنولوجيا الرقمية والتي تشملنا جميعًا، تشكّل قلقًا بالغًا بشأن السيطرة الاحتكارية على أنظمة التواصل والذكاء الاصطناعي القادرة على توجيه السلوكيات بطرق خفيّة، بل وحتى على إعادة كتابة التاريخ الإنساني، بما في ذلك تاريخ الكنيسة، وأحيانًا من دون وعي حقيقي بذلك. فالتحدي الذي ينتظرنا لا يكمن في إيقاف الابتكار الرقمي، بل في توجيهه وفي الوعي لطبيعته المزدوجة. وعلى كل واحد منا أن يرفع صوته دفاعًا عن الإنسان حتى نتمكّن من أن نجعل هذه الأدوات حلفاء حقيقيين لنا".
وأوضح أن "هذا التحالف ممكن، يتابع البابا، لكنه يحتاج إلى الارتكاز على ثلاثة أركان: المسؤولية والتعاون والتربية. فجميع المسؤولين، وبخاصة الذين يتبوّأون مواقع القيادة في المنصات الالكترونية، عليهم أن يضعوا رؤية بعيدة المدى تأخذ في الاعتبار الخير العام والسهر على احترام كرامة الإنسان. انه من الضروري أن ننشئ آليات حماية يشارك فيها الجميع في سبيل بناء مواطنة رقميّة واعية ومسؤولة. أما التربية فتهدف إلى تنمية قدراتنا الفردية على التفكير النقدي. فقد بات من الملحّ بشكل متزايد إدخال مهارات الإعلام والمعلومات والذكاء الاصطناعي في الأنظمة التعليمية على جميع المستويات".























































