يُراهن "حزب الله" على أنّ الصراع الأميركي-الإيراني الحالي لا بدّ أن ينتهي باتفاق، عاجلًا أم آجلًا، على أن تشمل التسوية المَأمولة وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان أيضًا، بحسب الوعود الإيرانية المُتكرّرة. ويُطمئن "الحزب" أنّه في حال سُقوط هذا الرهان، لسبب أو لآخر، فإنّ عمليّات الاستنزاف التي يخوضها مقاتلوه ضُدّ الجيش الإسرائيلي كفيلة وحدها بانسحاب الاحتلال من الجنوب، تمامًا كما حصل في العام 2000. فهل يُمكن فعلًا التعويل على هذين الرهانين، وما مصير أهالي الجنوب في حال سقوطهما؟
صحيح أنّ إيران تسعى جاهدة لتأمين وقف الهجمات الإسرائيلية على "حزب الله"، وهي تُحاول قدر المُستطاع ضمّ هذا البند إلى أي تسوية مُحتملة مع الولايات المتحدة الأميركية. لكنّ نسبة فشل هذا الرهان الذي يُعوّل عليه "الحزب" كبيرة جدًا، للأسباب التالية:
أوّلًا: ما جرى في الجنوب منذ وقف الضربات الأميركيّة–الإسرائيلية على إيران اعتبارًا من 8 نيسان الماضي، هو خير دليل على أنّ لبنان خارج هذه المعادلة، حيث لم تستطع وعود إيران وضُغوط الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لجم الآلة العسكرية الإسرائيلية، إلا بشكل نسبي ومحدود.
ثانيًا: إنّ طهران تضع كل ثقلها لحصر أي تسوية مُحتملة مع واشنطن بالملفّ النووي وبمضيق هرمز، مُستثنية الكثير من المطالب الأميركية–الإسرائيلية الأخرى، مثل تحديد عدد ومسافة عبور الصواريخ الباليستية التي تملكها، ووقف دعم الجماعات المُسلّحة التابعة لها في الإقليم، وغيرها من الشروط، الأمر الذي سيُقابله استثناءات أميركية للعديد من المطالب الإيرانية، ومنها مسألة تحييد "حزب الله"، حيث تُصرّ كلّ من واشنطن وتل أبيب على حسم مسألة سلاح "الحزب"، سلميًا بالتفاوض مع لبنان، أو بالضغط العسكري المتواصل.
ثالثًا: إنّ التجارب الأخيرة في المنطقة تدلّ على أنّ هذا النوع من الحمايات غير مضمون النتائج، حيث لا الضغوط الإيرانية ولا مُشاركتها المباشرة في القتال في سوريا حمت نظام الرئيس بشّار الأسد من السُقوط. ولا الضغوط الإيرانية ولا عمليّات التمويل بالمال والسلاح التي وفّرتها طهران لغزّة حمت حركة "حماس" من حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل عليها على مدى عامين كاملين. وبالتالي، وعلى الرغم من أنّ مكانة "حزب الله" مميّزة لدى قيادة الحرس الثوري الإيراني، فإنّ المصالح الإستراتيجية الكبرى لبقاء النظام الإيراني، والضغوط الأميركية–الإسرائيلية الضخمة المُضادة، والواقع العسكري الميداني في الجنوب، ستقود كلّها لإفشال مساعي إيران لتوفير مظلّة حماية تمنع إسرائيل من مواصلة ضرب "الحزب" عسكريًا.
وبالنسبة إلى الرهان الثاني الذي يُعوّل عليه "حزب الله" في حال فشل الرهان الأوّل، لجهة تكرار حرب الاستنزاف التي أخرجت جيش الاحتلال من الجنوب في العام 2000، فإنّ نسبة فشله كبيرة جدًا أيضًا، للأسباب التالية:
أوّلًا: صحيح أنّ القدرات العسكريّة التي يتمتّع بها "حزب الله" اليوم -من حيث العديد ونوعية العتاد والخبرات القتالية المتراكمة- تفوق بكثير تلك التي كان يتمتّع بها قبل العام 2000، لكنّ الأصحّ أنّ قدرات الجيش الإسرائيلي العسكرية والتكنولوجية تطوّرت بدورها بشكل هائل. وإذا كان "الحزب" يُعوّل حاليًا على المُسيّرات الانقضاضية لإلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر بقوّات الاحتلال، فإنّ حل هذه المعضلة من الجانب الإسرائيلي لا بُد وأن يأتي قريبًا، تمامًا كما تمكّن الجيش الأوكراني من حماية قوّاته من الهجمات الروسية اليومية بمئات المُسيرات، عبر الاعتماد على دفاعات أرضية قديمة مُضادة للطائرات، ومن خلال مدّ أسطح شبكيّة فوق آليّاته ومراكز جنوده، إلخ. وبالتالي، إنّ الخسائر العالية نسبيًا للاحتلال يُمكن أن تتراجع كثيرًا مع مرور الوقت، الأمر الذي يُمكّنه من البقاء والقتال لسنوات طويلة.
ثانيًا: إنّ الجيش الإسرائيلي لا ينوي تكرار "سيناريو" ما قبل العام 2000 إطلاقًا، فهو لن يتواجد في القرى والبلدات الجنوبية بشكل مكشوف، بل ضِمن مراكز ونقاط مَعدودة ومُحدّدة، تُحيط بها مساحات واسعة مُدمّرة بشكل كامل الأمر الذي لا يسمح بتنفيذ أي هجمات مباغتة أو حتى عمليّات تسلّل. أكثر من ذلك، إنّ الجيش الإسرائيلي يعلم أنّ حصر العمليات في المناطق الحُدودية – كما حصل في الماضي، يُمثّل نقطة ضعف له، لذلك سيعمل بشكل متواصل على توسيع رقعة استهدافاته قدر المُستطاع، في ظلّ تراجع قدرات "الحزب" للقيام بالمثل، خشية التسبّب بموجات نزوح إضافية للبيئة الحاضنة له، وبسبب تراجع مخزون الصواريخ المتوسّطة والبعيدة المدى التي يملكها بشكل كبير.
ثالثًا: إنّ القيادتين السياسيتين الإسرائيلية والأميركية لن تتركا لبنان وشأنه. وبالتالي إنّ الضغوط التي تُواصل واشنطن ممارستها على بيروت مُرجّحة لأن تشتدّ مع الوقت، ما لم يُظهر لبنان جدّية في معالجة سلاح "حزب الله". وهذه الضغوط ستأخذ أشكالًا مختلفة، لدفع المفاوض اللبناني إلى القبول بالتسوية، بدءًا بالضغط العسكري الإسرائيلي الميداني، مرورًا بالضغط السياسي الأميركي، وُصولًا إلى الضغط الاقتصادي والمالي الغربي–العربي على لبنان الذي لا يملك "ليرة" واحدة لتمويل إعادة الإعمار! وبالتالي، الأمور لن تكون متروكة لعمليات استنزاف في الجنوب، حيث سيُقابلها حرب إسرائيلية مفتوحة من جهة، وضُغوط على السُلطة للتحرّك داخليًا من جهة أخرى.
في الختام، إنّ مصير أهالي الجنوب في حال سُقوط رِهَانَي "حزب الله" ليس جيدًا، حيث ما لم تتكثّف الضغوط على إسرائيل، إنّ عودة سُكان القرى والبلدات الحدودية صعبة جدًا في المدى المنظور، ولا استقرار ولا هدوء لكل قرى وبلدات جنوب الليطاني، ولا أمان في أي بُقعة من لبنان، حيث يمكن أن تقع غارات واستهدافات غادرة في أي مكان وفي أي وقت! وبالتالي إنّ عدّاد الموت سيبقى شغّالًا للأسف، وحجم الدمار سيتوسّع، وموجات النزوح والتهجير ستبقى قائمة وستتكرّر مرارًا. وهذا الواقع المأساوي لن يتغيّر ما لم يصل لبنان إلى تسوية مباشرة مع إسرائيل، والأيّام المُقبلة كفيلة بأن تُثبت أنّ الرهان على مخارج أخرى هو رهان على جولات قتال عبثية لا تنتهي، وعلى حروب دموية متواصلة فقط لا غير!





















































