كرّمت جامعة الروح القدس – الكسليك الكاتب والمخرج المسرحي والممثل ريمون جبارة، خلال أمسية ثقافية بعنوان: "ريمون جبارة: الرحلة المقدّسة عبر مسرحياته"، برعاية وزير الثقافة غسان سلامة وحضوره، في مسرح كازينو لبنان، في حضور المدبر العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأب طوني فخري، ممثلًا الرئيس العام للرهبانية الأب العام هادي محفوظ، النائب العام في الرهبانية الأب جورج حبيقة، رئيس الجامعة الأب جوزف مكرزل، وشخصيات سياسية وروحية وثقافية وفنية وأكاديمية وإعلامية، إضافة إلى أعضاء مجلس الجامعة وأسرتها التربوية والإدارية وعائلة المكرّم وأصدقائه.
وشكلت الأمسية، التي حملت عبق المسرح اللبناني وذاكرة الإبداع، تحية متعددة الأبعاد لمسيرة ريمون جبارة، واختُتمت بعرض مسرحية "شربل" من تأليف ريمون جبارة، التي أُعيد إحياؤها بعد نحو خمسين عامًا على عرضها الأول عام 1977 على مسرح سيستينا في روما، وفي العام نفسه على مسرح كازينو لبنان، وفي العام 1996 في مسرح نايف وماري في جونيه. واليوم، وبمناسبة عيد مار شربل، يقدّمها طلاب وخريجو قسم الفنون الأدائية، إلى جانب أساتذة من الجامعة والممثل جوزيف ساسين، بنسخة جديدة من إخراج كريم شبلي.
وتروي المسرحية رحلة القديس شربل مخلوف الروحية والإنسانية، منذ نشأته البسيطة حتى تحوّله إلى رمز للإيمان والتقوى. ومن خلال محطات من العزلة والكفاح والطاعة للدعوة الإلهية، تكشف القصة عن قوة إيمانه العميق التي جعلته أحد أبرز القديسين وأكثرهم تبجيلًا في لبنان.
وأكد رئيس جامعة الروح القدس – الكسليك الأب البروفسور جوزف مكرزل أن جبارة لم يكن مجرد رجل مسرح، بل "رجل قضية" حمل همّ الإنسان والوطن في أعماله الجريئة والناقدة. وأشار إلى أن مسرحه شكّل صدى لوجع الناس وتمرّدًا على الواقع، معتبرًا أن أفكاره لا تزال حاضرة بعد عشر سنوات على غيابه.
كما استعاد مكرزل ذكرياته الشخصية مع جبارة في الجامعة، معلنًا أن أرشيفه حُفظ في الجامعة ليبقى مادة للبحث العلمي وذاكرة للإبداع اللبناني. وختم موجّهًا التحية إلى الحضور وفريق العمل، ومتمنيًا أمسية مميزة مع مسرحية "شربل".
وفي الختام، ألقى وزير الثقافة كلمة نوّه فيها بالدور الذي تضطلع به جامعة الروح القدس – الكسليك في صون التراث اللبناني، معتبرًا أنّها تجمع بين ثلاث مهمات أساسية: حفظ التراث وترميمه وإحيائه. وقال إنّ الاهتمام بحفظ التراث أمر جميل، فيما يتطلّب ترميمه جهدًا وصبرًا وسهرًا، أما إحياؤه فمهمة أكثر صعوبة، مشيرًا إلى أنّ الجامعة تنجح في أداء هذه الأدوار مجتمعة، ولافتاً إلى "أنّ من يشكّك بذلك يكفيه أن يزور متاحفها ليرى ما تضمّه من كتب وأفلام وموسيقى ولوحات ومنحوتات، ومن يطّلع على مختبرات الترميم فيها سيدهشه حجم الدقة والتفاني في العمل، فيما يشكّل إحياء تراث الفنان ريمون جبارة، موضوع الأمسية، خير دليل على دورها الريادي في إحياء الذاكرة الثقافية اللبنانية". وشدّد سلامة على أنّ التخلي عن التراث يعني التخلي عن جزء أساسي من الهوية الوطنية وما يمكن أن يكون عليه لبنان مستقبلًا".
وانتقل بعدها إلى الحديث عن المرحلة الذهبية التي عرفتها الثقافة اللبنانية بين أواخر خمسينيات القرن الماضي وبداية الحرب الأهلية عام 1975، واصفًا إياها بمرحلة "الإبداع غير الطبيعي" في مختلف الفنون، ولا سيما المسرح. واستعاد أسماء لامعة تألقت في تلك الحقبة، من بينهم منير أبو دبس، وأنطوان ولطيفة ملتقى، وروجيه عساف، وجلال خوري، والشيخ ربعا، وغيرهم من رواد المسرح اللبناني.
وروى سلامة جانبًا من علاقته الشخصية بريمون جبارة، مشيرًا إلى أنّ روجيه عساف، الذي كان جارًا له، عرّفه للمرة الأولى على جبارة في شبابه، يوم كان مأخوذًا بغزارة الإنتاج المسرحي اللبناني وفرادته. وقال إنه اقترح يومها على جبارة فتح التمارين الأخيرة للعروض المسرحية أمام الشباب بهدف توسيع جمهور المسرح، وبعد تردد وافق جبارة على الفكرة، لتكون تلك المبادرة الأولى التي يدخل فيها مئات الشبان إلى المسرح لمشاهدة التمارين واكتشاف هذا الفن عن قرب. وأضاف أنّه، وبعد أكثر من خمسين عامًا، لا يزال يعتبر تلك التجربة محطة أساسية في خلق شرائح جديدة من جمهور المسرح اللبناني.
كما توقف عند السخرية التي ميّزت أعمال ريمون جبارة، معتبرًا أنّها لم تكن مجرد أداة تهكم، بل شكلًا عميقًا من أشكال البحث عن الحقيقة. وقال: "إنّ وحدهم الصادقون قادرون على السخرية المستدامة من الآخرين ومن أنفسهم، لأنّ السخرية لدى جبارة كانت وسيلة لكشف الزيف ونزع الأقنعة وإظهار الحقيقة الكامنة خلف الأشخاص والمواقف". ووصف هذه السخرية بأنها "سقراطية حديثة"، تقوم على حوار فكري وفلسفي بين الفرد والآخر يقود إلى الحقيقة.
وأشار سلامة إلى أنّ هذه السخرية ارتبطت أيضًا بمناخ "مسرح العبث" الذي طبع تلك المرحلة، لافتًا إلى أنّ أعمال ريمون جبارة الأولى انتمت بوضوح إلى هذا التيار، وبنجاح جعل المقارنة بينه وبين كبار كتّاب مسرح العبث العالمي، أمثال أوجين يونسكو وصامويل بيكيت وآرثر آداموف، مقارنة مشروعة.
وأكد أنّ العبث في مسرح جبارة لم يكن عبثًا فارغًا، بل طريقًا آخر نحو الحقيقة، تمامًا كما كانت السخرية وسيلة لكشفها. ولفت إلى أن "أكثر ما بقي راسخًا في ذاكرته عن ريمون جبارة، هو أنّه أمضى حياته باحثًا عن الحقيقة عبر مسارين متوازيين: السخرية والعبث، معتبرًا أنّ "السعي إلى الحقيقة هو النبل بعينه، لأنه يتجاوز الشكليات والرموز والدلالات، فالحقيقة تبقى الأهم والأكثر استحقاقًا للبحث".






















































