يحمل الوفد اللبناني إلى واشنطن هدفًا معلنًا: التقدم نحو اتفاق جديد على مستوى الخبراء مع صندوق النقد الدولي، بعد الخطوات التي أُنجزت في ملف إصلاح القطاع المصرفي. لكن الوصول إلى برنامج كامل لا يزال، بحسب وزير المالية ياسين جابر، مرتبطًا بإقرار مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، المعروف بقانون الفجوة، الذي يفترض أن يرسم طريقة توزيع خسائر الانهيار المالي.
قدّرت الحكومة هذه الخسائر عام 2022 بنحو 70 مليار دولار، والأرجح أن الرقم أعلى اليوم. وبعد سنوات من التعثر والتأجيل، يقترب النقاش من السؤال الذي لم يُحسم: كيف توزع خسائر الأزمة بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين؟ ماذا يتحمل مصرف لبنان، وما حصة المصارف ومساهميها، وما الذي يمكن أن يسترده المودعون، وأي مساهمة تقع على الدولة؟
لا يقف هذا داخل القطاع المصرفي وحده. فالدولة التي قد تتحمل جزءًا من كلفة المعالجة هي نفسها متعثرة عن سداد ديونها الخارجية منذ 2020، ودينها العام ما زال غير مستدام، فيما لم تبدأ بعد مفاوضات إعادة هيكلته بحسب البنك الدولي. وفي الاتجاه المعاكس، تحمل المصارف اللبنانية في محافظها جزءًا من الدين السيادي، ما يجعل شروط أي تسوية مستقبلية عنصرًا يدخل في تقييم أصولها وخسائرها.
هكذا تبدو الأزمة كدائرة مالية واحدة أكثر منها ملفات منفصلة: الدولة مدينة للمصارف، والمصارف مدينة للمودعين، فيما يُطلب من الدولة أيضًا أن تساهم في معالجة الخسائر التي أصابت القطاع. فهل يمكن تحديد كيفية معالجة الودائع بمعزل عن تحديد ما ستدفعه الدولة لدائنيها، وما الذي ستسترده المصارف نفسها من الدين السيادي؟
بعد 2022... تغيّرت القوانين وبقي الحساب
توصل لبنان في نيسان 2022 إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد، لكنه لم يتحول إلى برنامج بعدما بقيت إجراءات أساسية معلقة. أما اليوم، فتبدو نقطة الانطلاق مختلفة جزئيًا، إذ تحقّق تقدم على مستوى إعادة تنظيم المصارف، ولا سيما بعد إقرار تعديلات قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها في آب الماضي، وهي خطوة رحب بها الصندوق، فيما يبقى قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع أحد الملفات الرئيسية غير المنجزة.
لا يلغي هذا التقدم العقدة بقدر ما ينقلها إلى مستوى أكثر صعوبة. ففي 2022 كان السؤال يدور حول ما إذا كان لبنان سيبدأ أصلًا بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة. أما الآن، فالسؤال يتصل بكيفية تحويل القوانين إلى أرقام والتزامات فعلية. وهنا يبدأ التداخل مع الدين العام، فما إن تدخل الدولة طرفًا ماليًا في توزيع الخسائر، حتى يصبح دينها جزءًا من الحساب نفسه.
حين تنتقل الفجوة إلى ميزانية الدولة
لا تتعلق الفجوة المالية فقط بتحديد خسائر مصرف لبنان والمصارف، وإنما بالسؤال عن مصدر الأموال التي ستستخدم لإعادة جزء من الودائع ومعالجة المراكز المالية المتضررة. وإذا ترتبت على الدولة مساهمات مباشرة أو التزامات طويلة الأجل، تصبح هذه الالتزامات جزءًا من قدرتها على الدفع في السنوات المقبلة.
ولهذا وضع صندوق النقد قيدًا واضحًا على مسار إعادة الهيكلة. ففي شباط، قال إن استراتيجية إعادة هيكلة المصارف يجب أن تضمن ألا تقوض المساهمات المطلوبة من الدولة الجهود الرامية إلى استعادة استدامة الدين. وفي أيلول، عاد ليشدد على ضرورة أن يكون مقترح سداد الودائع متسقًا مع قابلية القطاع المصرفي للاستمرار ومع استدامة الدين العام.
هنا يتداخل قانون الفجوة مباشرة مع المالية العامة. فالدين اللبناني غير مستدام أصلًا، ما يعني أن الالتزامات القائمة تحتاج إلى إعادة ترتيب قبل إضافة أعباء جديدة إليها. وبالتالي، فالسؤال لا يتعلق بما إذا كان ينبغي للدولة أن تساهم في معالجة الأزمة، وإنما بالحد الذي تستطيع بلوغه من دون نقل جزء من أزمة النظام المالي إلى ميزانية عامة تحتاج هي الأخرى إلى إعادة هيكلة.
اليوروبوندز.. التعثر لم يكن تسوية
عندما توقف لبنان في آذار 2020 عن سداد اليوروبوندز، دخل في أول تعثر عن سداد دينه السيادي في تاريخه. أوقف القرار الدفع، لكنه لم يحسم ما سيسترده الدائنون ولا المهل أو الشروط الجديدة، وهي مسائل يفترض أن تعالجها إعادة هيكلة الدين. ومع ذلك، يقول البنك الدولي بعد أكثر من ستّ سنوات، إن الدين العام اللبناني لا يزال غير مستدام، وإن مفاوضات إعادة الهيكلة لم تبدأ حتى الآن.
المفارقة أن لبنان يقترب من وضع قواعد أكثر تفصيلًا لتوزيع خسائر القطاع المالي، فيما العنصر الآخر الذي يدخل في احتساب قدرة الدولة والمصارف لم يُحسم، في وقت ربط صندوق النقد منذ اتفاق 2022 الإصلاح المالي بإعادة هيكلة الدين الخارجي، ثم أكد في شباط أن الإطار المالي متوسط المدى مطلوب لدعم إعادة هيكلة الدين السيادي. لذلك لا يبدو ملف اليوروبوندز مسألة يمكن إبقاؤها خارج حساب الفجوة إلى أجل غير محدد.
خزينة واحدة بين الماضي والمستقبل
ولا تتوقف المسألة عند جمع كلفة معالجة الودائع إلى كلفة الدين. فالدولة التي تحاول تسوية إرث الأزمة مطالبة أيضًا بتمويل الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية وإعادة الإعمار واستئناف الاستثمار العام، مع إعادة بناء قدرة مؤسساتها من دون الرجوع إلى عجز مزمن يراكم التزامات جديدة.
لهذا يمنح صندوق النقد أهمية خاصة للإطار المالي متوسط المدى، باعتباره الأداة التي يفترض أن تربط استدامة الدين بالموازنات السنوية، وفي الوقت نفسه تخلق حيزًا للإنفاق على إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية والاستثمار.
من هنا تتحول الأرقام إلى سياسة اقتصادية. فخلف ما يبدو تمرينًا محاسبيًا قرار سياسي: كيف توزع دولة محدودة القدرة ما تستطيع دفعه بين التزامات الماضي وحاجات المستقبل؟ فكل التزام جديد في معالجة الخسائر يجب احتسابه أيضًا ضمن قدرة الدولة على خدمة دينها وتمويل وظائفها. لذلك يصبح ترتيب الأولويات جزءًا من الإصلاح نفسه، لا تفصيلًا يأتي بعده.
دائرة مغلقة... المصارف دائنة للدولة ومدينة للمودعين
لكن العلاقة لا تسير من الفجوة إلى الدولة في اتجاه واحد. فالمصارف اللبنانية كانت طوال سنوات من كبار ممولي القطاع العام، مباشرة عبر السندات أو من خلال توظيفاتها لدى مصرف لبنان. وحتى اليوم، تظهر بيانات مصرف لبنان أن اليوروبوندز السيادية لا تزال مدرجة ضمن محافظ المصارف التجارية المقيمة؛ وقد بلغت القيمة المسجلة لهذا البند نحو 193.5 تريليون ليرة في نهاية تموز 2026. ولا يقدم هذا الرقم خريطة كاملة لتوزيع حملة السندات، الذي تغير منذ التعثر، لكنه يؤكد استمرار تعرض القطاع المصرفي للدين السيادي.
وهنا تكتمل الحلقة التي تجعل الفصل بين الملفين أكثر صعوبة. المصرف مدين للمودع ودائن للدولة، والدولة مدينة للمصرف ومطالبة في الوقت نفسه بالمساهمة في معالجة أزمة القطاع. وإذا جاءت إعادة هيكلة الدين بقيمة استرداد أدنى للسندات، فإنها تؤثر في قيمة الأصول السيادية التي تحملها المصارف وفي حسابات رسملتها وخسائرها؛ وإذا زادت مساهمة الدولة في معالجة الفجوة، ارتفعت الالتزامات الواقعة على الخزينة التي يُفترض أصلًا إعادة دينها إلى مسار قابل للاستمرار. وكان صندوق النقد قد أشار سابقًا إلى أن التقدير النهائي لخسائر النظام المالي يرتبط، بين عوامل أخرى، باستكمال إعادة هيكلة الدين.
بهذا المعنى، لا يوجد حساب مغلق للودائع وآخر منفصل لليوروبوندز. هناك ميزانيات مترابطة بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين، وكل تعديل في طرف منها يعيد تشكيل الحسابات في الأطراف الأخرى.
أي ميزانية للدولة بعد الأزمة؟
سيحاول قانون الفجوة تحديد كيفية توزيع خسائر الماضي داخل النظام المالي، فيما ستحدد إعادة هيكلة الدين ما تستطيع الدولة دفعه وما يستطيع دائنوها استرداده. وبين الاثنين، يفترض أن يرسم الإطار المالي متوسط المدى حدود ما يمكن إنفاقه في السنوات المقبلة.
لهذا لا يقف ملف اليوروبوندز خلف قانون الفجوة كاستحقاق مؤجل ينتظر دوره. إنه حاضر داخل المعادلة نفسها، لأن ما تستطيع الدولة تحمله في توزيع خسائر النظام المالي يرتبط بحجم الدين الذي سيبقى عليها بعد إعادة هيكلته، فيما ستؤثر هذه الهيكلة بدورها في بعض أصول المصارف التي يجري تحديد خسائرها.
وإذا تقدم لبنان إلى اتفاق جديد مع صندوق النقد، سيكون قد اقترب خطوة من تنظيم خسائر الماضي، لكنه سيقترب في الوقت نفسه من السؤال الأصعب: أي ميزانية للدولة والقطاع المالي يمكن أن تبقى قابلة للحياة بعد توزيع هذه الخسائر؟
المطلوب ليس فقط أن يعرف المودع ما الذي سيسترده، أو الدائن ما الذي ستدفعه الدولة، وإنما أن تخرج التسويتان معًا بدولة قادرة على تمويل حاجات المستقبل ونظام مالي يستطيع العودة إلى وظيفته، بدل أن يحمل كل منهما أزمة الآخر.





















































