بين أسوار "المدينة المحرمة" وفي توقيتٍ يوصف بـ"ساعة الصفر الجيوسياسية"، يستعد العالم لمشاهدة الفصل الأكثر إثارة في دراما القرن الحادي والعشرين. فبينما يعيش الشرق الأوسط حالة من الغليان من الخليج الى بيروت وتتصاعد أعمدة الدخان فيه وتترنح أسواق الطاقة تحت وطأة الحصار في مضيق هرمز، أعلنت بكين رسمياً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيحل ضيفاً على الرئيس الصيني شي جين بينغ في زيارة دولة تاريخية تمتد من يوم الأربعاء 13 إلى يوم الجمعة 15 أيار 2026. هذه القمة، التي تأجلت منذ تشرين الثاني من العام الماضي بسبب انخراط واشنطن في صراعاتها المباشرة، لا تُصنّف في أروقة الدبلوماسية كلقاء بروتوكولي، بل هي "قمّة إدارة مخاطر" كبرى تهدف إلى منع انزلاق القطبين نحو صدام شامل قد لا تبقي نيرانه ولا تذر.
دبلوماسية حافة الهاوية
يصل ترامب إلى بكين محملاً بملفّات ثقيلة تفوح منها رائحة البارود والنفط. فالفشل في التوصل إلى حل مستدام في مفاوضات إسلام آباد السابقة بخصوص الحرب الّتي تشنّها الولايات المتّحدة وإسرائيلعلى الجمهورية الاسلاميّة، وما تبعه من إعلان واشنطن حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية، جعل من الصين "الممر الإلزامي" لأي تهدئة إقليمية. فالمعلومات المسربة من أروقة البيت الأبيض تشير إلى أن الرئيس الاميركي، "المفاوض الذي لا يرحم"، يدرك أن الضغط على عصب الطاقة الصيني عبر تضييق الخناق في هرمز هو الورقة الرابحة لإجبار بكين على لعب دور الوسيط "الخشن" مع طهران.
التحليل المعمق للمشهد، وما ورد في التقارير الميدانيّة المرتبطة بأزمة الطاقة، يشير إلى أن الصين، التي تستورد حصة الأسد من نفطها عبر الممرات الملتهبة حالياً، باتت في وضع لا تحسد عليه. وهي لا تريد الصدام مع أميركا، لكنها لا تستطيع تحمل كلفة انهيار إمداداتها. ومن هنا، تبرز لمسة ترامب المعهودة: "المقايضة الكبرى". إذ ثمة حديث جدي في الصالونات السياسية عن عرض أميركي يقضي بتخفيف حدّة الحصار البحري وتأمين الممرات مقابل انخراط صيني فعلي في كبح جماح التصعيد الإقليمي وإجبار الأفرقاء على العودة إلى طاولة التفاوض بشروط تضمن هيبة واشنطن الّتي جرّتها تل أبيب الى الحرب على ايران.
والمعلومات الواردة من دوائر قريبة من الخارجية الصينية تشير إلى أن شي جين بينغ سيطرح "خريطة طريق" لتعاون مشترك لإعادة فتح مضيق "هرمز" وتأمين الملاحة الدولية. هذا الملف يمثل فرصة للرئيس الأميركي للنزول عن شجرة التصعيد العسكري إذا ما استطاعت الصين تقديم ضمانات بضبط السلوك الإيراني، خاصة بعد فشل الوساطة الباكستانية الأخيرة في إنتاج اتفاق "يُحسّن وجه" واشنطن.
خناق الطاقة العالمي
في الجانب الاقتصادي، يدخل الرجلان القاعة الكبرى وهما يدركان أن "الأرقام لا تكذب". الاقتصاد الصيني يعاني من تباطؤ هو الأسوأ منذ عقود، والولايات المتحدة مقبلة على انتخابات نصفيّة حاسمة في تشرين الثاني المقبل، حيث سيكون سعر غالون البنزين هو "الناخب الأكبر". ترامب يريد من شي جين بينغ التزاماً واضحاً بزيادة المشتريات من الغاز المسال الأميركي، ليس فقط لتعديل ميزان التجارة، بل لتقليل الاعتماد الصيني على المصادر الإيرانيّة والروسيّة، وهو ما يراه "ضربة معلّم" مزدوجة الأهداف.
وعشيّة اللقاء المرتقب بين الرجلين سُرِّبت معلومات تلقي الضوء على نقطة جوهرية ستكون موضوع بحث معمّق لما لها من أهميّة، وهي اقتراح إنشاء "مجلس تجارة" (Board of Trade) مشترك يتمتع بصلاحيات تنفيذية لمراقبة تدفقات السلع وتجنب "حروب التعريفات" المفاجئة. لأنّ الصين، التي فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها الاستثمارية في مطلع عام 2026، تبحث عن "هدنة مستدامة" تمنح أسواقها الأوكسجين اللازم للنهوض. لكن الثمن الذي يطلبه ترامب باهظ؛ فهو يطالب بفتح القطاع المالي الصيني بالكامل أمام البنوك الأميركية، وهي خطوة تعتبرها بكين مساساً بسيادتها الاقتصاديّة، مما يجعل المفاوضات أقرب إلى "ليّ الأذرع" منها إلى الاتفاق الودي.
مقايضة تايوان الكبرى
لا يغيب ملفّ تايوان عن الطاولة، بل هو "الفيل في الغرفة" الذي يخشى الجميع تحركه، وهو الملفّ الذي يقلق الأميركي وسيحاول استثماره في هذه القمّة التاريخيّة.
الرئيس شي، الذي عزز قبضته على السلطة، يرى في تايوان قضية وجودية لا تقبل القسمة على اثنين. وفي هذا السياق تشير المعلومات إلى أن الجانب الصيني سيطرح لغة دبلوماسية جديدة تطلب من واشنطن الانتقال من "عدم دعم الاستقلال" إلى "المعارضة الصريحة له".
في المقابل، يراقب حلفاء واشنطن في المنطقة هذه القمة بقلقٍ وجودي، حيث يخشى هؤلاء من أن ترامب، ببراغماتيته المعروفة، قد يدرج ملف تايوان ضمن "سلة مقايضة" تشمل تنازلات صينية في بحر الصين الجنوبي أو في ملف الموارد النادرة والتربة الحرجة التي تحتكرها بكين. لذلك ووفقًا لعقليّة ترامب تشير مصادر واكبت التحضيرات الّتي سبقت عن اعلان الاجتماع أن الرئيس الأميركي قد يستخدم تايوان كـ"ورقة ضغط" لانتزاع مكاسب اقتصاديّة تضمن له فوزاً ساحقاً في انتخابات تشرين الثاني المقبل، وهو ما يدفع تايوان إلى مراقبة القمّة بقلق متزايد خوفاً من صفقات "الغرف المغلقة" وتفاهمات تُبرم على حسابها، لا سيّما أن قضيّة خفض تسليح الاميركي لها موضوع على طاولة البحث.
التنافس التكنولوجي والسيطرة العسكريّة
في البعد التكنولوجي، انتقل الصراع من مجرد رقائق إلكترونية إلى معركة وجودية حول "الذكاء الاصطناعي". لأنّ واشنطن تتهم بكين بشن حملات "صناعية" لسرقة تقنيات الذكاء الاصطناعي الأميركيّة، بينما تسعى الأولى لحماية شركاتها من القيود الاستثماريّة المتزايدة التي فرضتها إدارة ترامب في مطلع العام الحالي.
ومن المتوقع أن يعلن الزعيمان عن إنشاء "لجنة مشتركة لسلامة الذكاء الاصطناعي"، وهو مطلب صيني قديم تهدف واشنطن من خلاله إلى وضع أطر تمنع خروج التنافس التكنولوجي عن السيطرة العسكريّة. لذلك فإنّ القراءة المتأنّية لهذا الملف توضح أن الفريقين يدركان أن السباق نحو "الذكاء الاصطناعي العام" هو سباق تسلّح جديد، وأي خطأ في الحسابات قد يؤدّي إلى كارثة تكنولوجيّة عالميّة. لذلك يريد ترامب ضمان بقاء التفوق الأميركي، بينما يسعى شي لمنع "العزل التكنولوجي" الذي قد يخرج الصين من نادي القوى العظمى الرقميّة.
سفينة في عاصفة
في الختام، يجد العالم نفسه على بعد يومين من القمّة المرتقبة بين الجبّارين الصيني والأميركي أمام مشهد يشبه إلى حد كبير استعارة "السفينة الواحدة" التي أطلقها الرئيس اللبناني جوزاف عون في خطابه الأخير عقب وقف إطلاق النار في نيسان الفائت. فكما أن اللبنانيين محكومون بالحكمة للوصول إلى بر الأمان، فإن ترامب وشي يدركان أن غرق أي من الاقتصادين سيعني غرق الجميع.
إن قمة بكين ليست مجرد محطّة عابرة، بل هي محاولة لإعادة صياغة "النظام العالمي الجديد" على أسس المصالح المتبادلة بدلاً من الصدام العبثي. ونجاح ترامب في انتزاع "صفقة القرن الآسيوية" قد يضمن له ولاية تاريخيّة ويوفّر للعالم فترة من الاستقرار الاقتصادي، لكن الفشل سيعني تحول "الحرب الباردة" الحاليّة إلى مواجهة ساخنة في مياه المحيط الهادئ وممرات النفط العالميّة. والتاريخ يخبرنا أن القادة يذهبون، لكن التوازنات الكبرى هي التي تبقى، وفي بكين اليوم، تُرسم ملامح الخمسين عاماً المقبلة من تاريخ البشرية.
هل ستنتصر "عقلانيّة الصفقات" التي يتبنّاها ترامب على "كبرياء التنين" الذي يجسده شي، أم أنّ العالم مقبل على خريفٍ سياسي يبدأ من تشرين الأول وتشرين الثاني المقبلين ليطوي صفحة العولمة إلى غير رجعة؟ لننتظر ونرى ما الّذي سيبدأ بالظهور تباعا عن الاجتماع مع أواخر الأسبوع الجاري.





















































