في عالم يتجه بسرعة نحو إعادة رسم موازين القوى الاقتصادية والسياسية، لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة والصين مجرد تنافس تجاري عابر، بل تحوّلت إلى صراع استراتيجي مفتوح على قيادة الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة. فمن الديون الأميركية الضخمة التي تمتلك بكين جزءاً منها، إلى الحرب التكنولوجية والسباق على الذكاء الاصطناعي والطاقة وسلاسل الإمداد، تبدو العلاقة بين القوتين الأكبر في العالم وكأنها مزيج معقد من الشراكة القسرية والخصومة المتصاعدة.
وفي ظل الحروب والتوترات الجيوسياسية المتلاحقة، يزداد السؤال إلحاحاً: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على هيمنتها الاقتصادية رغم تضخم ديونها وتكاليف صراعاتها العالمية؟ أم أن الصين تستثمر هذه التحولات بهدوء لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي لمصلحتها؟ وبين الطرفين، يقف العالم أمام مرحلة انتقالية قد تعيد رسم خريطة النفوذ المالي والتجاري والتكنولوجي لعقود طويلة.
الصين والديون الاميركية
تحتفظ الصين حتى الآن بحوالي 693 مليار دولار من الدين الأميركي في تراجع كبير مقارنة بالذروة التي بلغت نحو 1300 مليار دولار وأصبح هذا الملف اليوم أشبه بأداة ردع متبادل أكثر منه وسيلة ضغط حقيقية، ولا يبدو أن الولايات المتحدة أو الصين ستخرجان رابحتين فعلاً على المدى الطويل، فالأمر أقرب إلى لعبة ذات محصلة سلبية بحيث يحصل التدمير للقيمة الاقتصادية، وتفكك في سلاسل الإمداد، وارتفاع في معدلات التضخم، وغيرها من التداعيات. وهنا تشرح مصادر مطلعة أن "المستفيدين فعليًّا، فهي دول مثل الهند وفيتنام والمكسيك، التي تستفيد من تحوّل التدفقات التجارية، إضافة إلى بعض القطاعات الأميركية مثل الطاقة والصناعات الدفاعية"، مشيرة الى أنه "رغم التوترات، تواصل الصين تراكم الدولارات نتيجة العجز التجاري الأميركي، ما يساهم في استمرار هيمنة العملة الخضراء عالمياً كما تواصل شراء سندات الخزانة الأميركيّة لأنّ كثيراً من الأصول الأميركية الأخرى تبقى مغلقة أو محدودة أمامها".
معركة الهيمنة المقبلة
ويشير الخبير الاقتصادي ميشال فياض الى أن "الكثير من المراقبين يعتقدون أن الصين قد تخرج أكثر قوة من الاضطرابات الحالية في أسواق الطاقة. فالتقلبات التي تطال النفط والغاز تدفع نحو استثمارات ضخمة في الطاقات المتجددة والبنى التحتية البديلة، وهي مجالات تتمتع فيها الصين أساساً بهيمنة واسعة، وقد يعيد ذلك رسم النظام العالمي للطاقة لمصلحتها خلال السنوات المقبلة"، لافتا الى أنه "وفي سباق الذكاء الاصطناعي والتقنيات الاستراتيجية، قد يصبح المنتصر في هذه المواجهة اللاعب المهيمن على الاقتصاد العالمي خلال القرن المقبل، فالجبّاران يستثمران بكثافة، لكن الرهانات تتجاوز بكثير المكاسب قصيرة المدى"، ويضيف: "كما أن الشركات الأميركية استفادت بشكل كبير من الصعود الصناعي الصيني لتعزيز هوامش أرباحها. وبالتالي، فإن فك الارتباط الكامل بين الاقتصادين لن يُعدّ بالضرورة انتصاراً صافياً لواشنطن".
اعادة رسم التجارة العالمية
"في المقابل، انفجر الدين العام الأميركي خلال الأشهر الماضية، متجاوزاً 38 إلى 39 تريليون دولار، وباتت مدفوعات الفوائد الصافية تقترب من تريليون دولار أو تتجاوزه". وهنا يشير فياض الى أن "ذلك يضع ضغوطاً متزايدة على كبار حاملي الدين الأميركي، وفي مقدمتهم اليابان ثم المملكة المتحدة والصين. أما بالنسبة للخيرة، فهذا يعقّد إدارة احتياطاتها الماليّة، ويحدّ في الوقت نفسه من قدرتها على التنويع السريع بعيداً عن الدولار".
ويعتبر أن "من النقاط الأساسية أيضاً هي التوترات طويلة الأمد، حتى من دون مواجهة عسكرية مباشرة، تؤدّي إلى إعادة رسم واسعة للتجارة العالميّة نتيجة تفكّك سلاسل الإمداد. فقد شهدت المكسيك وبعض دول جنوب شرق آسيا ارتفاعاً كبيراً في صادراتها نحو الولايات المتحدة بفضل سياسات "إعادة توطين الإنتاج القريب" والحوافز الضريبيّة الأميركية. في المقابل، عوّضت الصين تراجع فائضها التجاري الثنائي مع الولايات المتحدة من خلال توسع كبير نحو دول الآسيان وأوروبا وأميركا اللاتينية، محققة مستويات قياسية في حجم تجارتها العالمية".
الاقتصاد الأقل ارتباطاً بالغرب
ويؤكد فياض أن "هذه المنافسة تدفع الصين إلى الاستثمار بكثافة في الابتكار المحلّي والقطاعات التكنولوجيّة الحساسة، مثل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة الخضراء وهو ما يسرّع تحولها نحو اقتصاد أكثر اعتماداً على الذات، مع محاولة بناء منظومات تجارية ومالية بديلة أقل ارتباطاً بالدولار والمعايير الغربية". مشيرا الى أن "التحدي بالنسبة للولايات المتحدة يتمثل في الحفاظ على تفوقها التكنولوجي وجذب الاستثمارات، بالتوازي مع إدارة دين داخلي متضخّم يضغط على هامشها المالي وقدرتها المستقبليّة على الإنفاق"، لافتا الى أنّ "هذه المرحلة من التنافس تعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي نحو مزيد من التعدّدية القطبيّة، حيث تستفيد الدول الناشئة المحايدة أو غير المنحازة من جزء من التحوّلات التجاريّة، فيما تتحمل القوتان الكبريان تكاليف مرتفعة للتكيف، من تضخم وإعادة توزيع للإنتاج وخسارة في الكفاءة الاقتصادية".
عالم جديد يتشكل
ورغم أن المواجهة الأميركية-الصينية تبدو اليوم عنوان المرحلة الدولية الجديدة، إلا أن المؤشّرات الاقتصاديّة تؤكد أن أياً من الطرفين لن يخرج منتصراً بالكامل من هذا الصراع الطويل والمكلف. فالتشابك العميق بين الاقتصادين يجعل أيّ مواجهة واسعة أشبه بهزة تضرب النظام الاقتصادي العالمي بأكمله، من التجارة والطاقة إلى التكنولوجيا والأسواق المالية.
لكن في المقابل، فإنّ هذه المنافسة تدفع العالم أيضاً نحو نظام أكثر تعددية، حيث تستفيد قوى صاعدة ودول ناشئة من إعادة توزيع النفوذ التجاري والصناعي. وبينما تسعى واشنطن للحفاظ على تفوقها التكنولوجي والمالي، تعمل بكين على بناء نموذج اقتصادي أكثر استقلالاً وأقل ارتباطاً بالمنظومة الغربية.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: من سيربح الحرب الاقتصاديّة بين أميركا والصين؟ بل كيف سيبدو العالم بعد هذه المواجهة، ومن سيكون قادراً على التكيّف مع النظام العالمي الجديد الذي يتشكّل بهدوء تحت وقع هذه المنافسة التاريخية.























































